تطبيق صحيفة خبير

آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الوهاب الشرفي
عن الكاتب :
‏‏‏محاسب قانوني معتمد ، رئيس مركز الرصد الديمقراطي (اليمن) ، كاتب ومحلل سياسي .

ما وراء حدة “ترامب” تجاه الملف الإيراني في هذا التوقيت؟


عبدالوهاب الشرفي

يتحدث الرئيس الأمريكي ترامب عن “هدوء يسبق العاصفة” و الحديث عن إيران وحزب الله و الاتفاق النووي في مقدمة أهدافه محل السجال و التصعيد تجاه الملف الإيراني ، وهذه اللغة هي لغة عالية يستخدمها ترامب ذات علاقة بالاتفاق النووي الإيراني بشكل مباشر وهو الاتفاق الذي كان قد توعد من قبل أثناء حملته الانتخابية “بتمزيقه”.

تاريخ ترامب كرئيس للولايات المتحدة تاريخ مليئ ” بالعنتريات ” ،  فعلها تجاه كوريا الشمالية واضطر لاحقا أن يتخلص منها بصورة بائسة مثلت فضيحة للسياسة الخارجية الأمريكية ، و فعلها تجاه سوريا و حاول هنا أن ” يفعل ” وليس أن ” يقول ”  فقط ولكن انقلبت النتيجة سلبا على الولايات المتحدة كذلك ، وفعلها من قبل تجاه الصين وعاد ليستجديها أن تنجده من الملف الكوري الشمالي ، و الآن هو يفعلها تجاه إيران و لكن لا يمكن أخذ ” عنترياته ” هنا أيضا بأنها أمر قادم قطعا وإنما يجب قياسها وفقا للممكن من غير الممكن بالنسبة للولايات المتحدة ، فترامب لم يصدق يوما في ” عنترياته ” إلا تجاه دول تصنف كحلفاء لبلاده لأنه معها كان يضمن أن لايواجه برد فعل كحاله مع السعودية.

بالنظر إلى توقيت توعد ترامب بعاصفة يعطي انطباع أنه يسعى من تصريح عال كهذا ومن تحريك الملف النووي الإيراني و حزب الله بهذه الحدة  للهروب إلى الأمام من عاصفة كانت تطوقه هي تطورات التحقيقات في التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي فرزته إلى البيت الأبيض ، وأن كان الأمر كذلك فهو دليل على أهمية هذا الاتفاق بالنسبة للداخل الأمريكي ابتداء حتى يتم استخدامه لصرف الأنظار عن فضيحة ترتسم يوما عن يوم بحجم اختراق الولايات المتحدة في اختيار رجلها الأول – رئيس الولايات المتحدة – ، وبالتالي فاتخاذ قرار عال يطال سقف ” عنتريات ” ترامب هو أمر صعب بالنسبة له وليس الأمر كاتخاذه قرارا باتجاه الحدود مع المكسيك ،  بل هو قرار ذو اثر كبير متعلق بالأمن القومي الأمريكي كثير هم من سيهتم به في الداخل الأمريكي وقد يمثل قراره إذا لم يعاير بشكل صحيح مع المصلحة الأمريكية ضربة تهوي على رأسه.

ترتسم الخسارة الأمريكية في الملف السوري و الملف العراقي بشكل أوسع مع مرور الوقت وإيران وحزب الله لاعبان محوريان في هذه الخسارة ، ولصيغة معادلة أطراف المواجهة في سوريا تكون محاولة المنافسة على النتيجة في الملفين خيارا صعبا للولايات المتحدة لأنها تتطلب أن تخوض  حربا حقيقية على الجماعات الإرهابية لترث الأرض منها كما تفعل إيران وحزب الله – وقبلهما الجيش السوري – ولا يمكن للولايات المتحدة أن تفعل ذلك لأنها ستكون تساعد في رسم النتيجة التي يريدها خصومها في هذا الملف ، وبالتالي قد يكون فتح ترامب لملف الاتفاق النووي و الحرس الثوري الإيراني وحزب الله هو المسار الممكن السير فيه لمواجهة إيران و حزب الله ردا على الخسارة في الملف السوري دون منافستهما على الأرض السورية والاشتراك في رسم نتيجة ستكون في الأخير لصالحهما وليس لصالح الولايات المتحدة ، وهذا الأمر يمكن تقبله في حدود إثارة موضوعي الحرس الثوري و حزب الله ، لكن بالنظر  لطبيعة الاتفاق النووي الإيراني سيكون أي قرار عال في هذا الاتجاه ضربة قد تهوي على رأس ترامب كذلك.

لكن لما لا يكون ترامب محق وأن إيران تطور ترسانتها النووية سرا و الاتفاق النووي مجرد قيد يمنع التصرف تجاه تلك الأنشطة السرية لإيران ،  وبالتالي فالتعاطي الحاد مع هذا الملف هو أمر مبرر قبل أن تجد الولايات المتحدة نفسها  أمام ملف مقلق أخر إلى جوار الملف الكوري الشمالي ، وفي هذه الحالة يكون ترامب بصدد قرار يتلافى ضربة قد تهوي على رأسه ، فمفاجئة إيران بامتلاك السلاح النووي سيقلب الموازين في المنطقة بشكل جذري فوق ما قد انقلب منها حتى الآن وقد تخرج الولايات المتحدة من ملفات المنطقة مجبرة – بالنظر للوضع الاقتصادي للولايات المتحدة و للدب الروسي المتوثب للانقضاض – بشكل كامل.

احتاج الاتفاق النووي أعوام عدة و مفاوضات مضنية و شد وجذب طويل قبل التوصل لهذا الاتفاق ، وهذه الفترة الطويلة جدا وهذا الحراك الواسع وصولا له ليس متعالقا بإقناع أي طرف من طرفيه بالقبول بالاتفاق مع الأخر وإنما متعلق بطبيعة هذا الاتفاق ، فالاتفاق النووي الإيراني هو نوع خاص من الاتفاقات أول مواصفاته أنه غير مبني على الثقة ، أي أنه اتفاق عملي تم تصميمه بطريقة إجرائية هي من يضمن ان لا تتمكن ايران من التطوير النووي العسكري ولهذا احتاج كل هذا الوقت وكل هذا الحراك كونه تعرض لأدق التفاصيل الفنية ذات العلاقة بالبرامج النووية ومتطلبات تطويرها و لمختلف الجوانب الحقوقية و السيادية لإيران ، وبالتالي فالاتفاق النووي الإيراني هو الضمانة الممكنة عمليا لمنع إيران من امتلاك النووي في خلسة من الزمن و القانون و الرقابة و الحصار.

وبالنظر لهذه الطبيعة للاتفاق النووي الإيراني يكون احتمال أن ترامب يتوجه بهذه الحدة ضد الاتفاق النووي الإيراني لمنع إيران من التطوير السري لترسانتها النووية هو احتمال غير قائم ، فلا يمكن لترامب أن يحصل على ضمانة أخرى أكثر من الاتفاق النووي ذاته لمنع إيران من التطوير النووي الخارج عن القانون ، كما أنه ما من وسيلة أخرى أكثر نجاعة للحكم بأن إيران تعمل سرا على تطوير ترسانتها النووية عسكريا أم لا تفعل من الاتفاق النووي ذاته.

طبيعة الاتفاق النووي تجعل من التعرض له مسألة غير ذات علاقة بالامتلاك الإيراني للنووي العسكري فكما قلت لاضمانة لمنع ذلك أكثر من الاتفاق ذاته ، وهذا هو السر وراء الرفض الأوروبي لما ” يتعنتر ” به ترامب و بمن فيهم المملكة المتحدة  الشريك الأول للولايات المتحدة في سياسات الشرق الأوسط ، فالجميع يعرف أن هذا الاتفاق إذا ما ضُُرب فلن يمثل ذلك إلا خسارة لايمكن استعاضتها بأفضل منها ، ولذلك فأي تعرض للاتفاق النووي الإيراني هو ذو علاقة باستخدام ” الامتلاك النووي ” كذريعة لمضايقة إيران في جوانب أخرى، ففي ضل هذا الاتفاق يمكن ضمان منع امتلاك إيران للنووي ولكنه بالمقابل يمنع أيضا اتخاذ إجراءات عقابية هيكلية ضدها وهو أمر لاتريده الولايات المتحدة في ضل مفهوم ترامب للأمن القومي للكيان الصهيوني كجزء لا يتحزئ من الأمن القومي الأمريكي.

يمثل التراجع عن الاتفاق النووي الإيراني قرار حرب فلايمكن الإقدام عليه إلا إذا قامت خطة لتدخل عسكري ضد إيران ، و لا يعني ذلك الحرب  بصورة فورية ولكن  شق الطريق باتجاه ضربة عسكرية لإيران يتطلب التراجع عن هذا الاتفاق فهو المسار الوحيد الذي يمكن السير فيه وصولا لحرب كما سبق وتم مع العراق كمثال ، فذريعة النووي العراقي كانت هي بداية مسار تنفيذ قرار بالحرب على العراق – اتضح زيفها لاحقا – وهذا الأمر هو بحق النووي الإيراني فهو اتفاق يثبّت الحقيقة النووية الإيرانية بينما المراد هو غير الحقيقة للبناء عليها وتنفيذ قرار أوسع من قضية منع امتلاك السلاح النووي يصل لضرب القوة الإيرانية ككل والقانونية منها هو المراد ضربه.

يضل اتخاذ قرار إلغاء الاتفاق النووي أمر غير مطروح حاليا في الغالب لدى ترامب لعدم إمكانية ذلك في ضل العوامل السائدة حاليا في الملف الإيراني وستستفيد منه إيران التي لا تفتر همتها في تعزيز قدراتها العسكرية غير النووية والتي لم يتسبب الاتفاق في إعاقتها ولعل ذلك ما قصده الرئيس الإيراني روحاني عندما قال ” إنه يمكن التخلي عن الاتفاق النووي في غضون ساعات ” ، ولذلك فالمراد أمريكيا من إثارة هذا الملف في هذا التوقيت على الأرجح هو التعويض عن الخسارة التي منيت بها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ،  أو بعبارة أدق التهيئة لمواجهة الثمار التي ستجنيها إيران وحزب الله في صورة تفوق في المنطقة كترتيب على خروجهما من الملف السوري منتصران ، وهذا الأمر يبدوا واضحا من خلال طرح مسألة الحرس الثوري الإيراني و حزب الله إلى جوار الاتفاق النووي الذي لايمكن إلغاءه حاليا.

ما تقوله المؤشرات والرسائل المحملة في السجال الأمريكي الإيراني هو أن الولايات المتحدة وجدت نفسها ترتيبا على النتيجة التي ترتسم في سوريا وفي العراق  مضطرة أن تعود إلى منطقة الشرق الأوسط للدفاع عن حضورها فيها و الذي إذا فقدته بهذه الصورة فسيمثل ذلك خسارة تمس أمنها القومي جوهريا و ستهبط تبعا لذلك كفتها في ميزان الحضور العالمي ليس إلى مستوى التعادل مع منافسيها وإنما إلى أدنى من ذلك ، و هذه العودة للولايات المتحدة هي بفتح حروب باردة مع إيران وحزب الله لاتصل إلى مستوى إلغاء الاتفاق النووي حاليا و لاتقف عند مستوى ضبط الأداء تبعا لالتزاماته.

و يضل صرف الأنظار عن تطورات التحقيق في الاختراق الروسي للانتخابات الرئاسية الأمريكية هو أحد الأهداف لترامب في اختيار هذا التوقيت لإثارة هذا الملف الحساس فالمسألة هنا أيضا قد بلغت التهديد للأمن القومي الأمريكي بعد سجالاتها العالية التي أربكت الإدارة الأمريكية ككل وباتت تقدم الولايات المتحدة للعالم كدولة يمكن اختراقها على مستوى رئاستها بتغريدات و منشورات و لايكات فيسبوكية .

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2017/10/13

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد