آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. سعيد الشهابي
عن الكاتب :
كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

شبح مرعب لحرب كونية ثالثة


د. سعيد الشهابي
 
ربما كانت السنوات الخمس التي أعقبت ضرب ثورات الربيع العربي من أسوأ حقب التاريخ المعاصر على العالم العربي. فقد أنشبت الطائفية سهامها في الجسد المتهالك لهذه الأمة، وأمعنت فيه إيذاء حتى اعتقد البعض أن كافة منافذ الخروج من الأزمة قد أغلقت تماما. ولكن ما تشهده المنطقة منذ عامين قد يفوق ما حدث. هذه المرة لم يعد التهديد محصورا بظاهرة الإرهاب التي استنفدت مبررات وجودها وأصبحت على وشك الانقراض، بل أصبحت الأمة تواجه شبح الحرب الشاملة التي قد تؤدي لحرب عالمية ثالثة. وفي هذا الخضم أصبح واضحا أن العالم يفتقد القيادة المسؤولة القادرة على احتواء الأزمات ومنع نشوب الحروب. وهنا يمكن تسجيل نقاط ثلاث:

الأولى إن ظهور نظام عالمي أحادي القطبية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في 1990 وانتهاء الحرب الباردة ساهم بشكل تدريجي في أضعاف الأمم المتحدة وتحجيم دورها. فلم تعد هذه المنظمة موجودة إلا بالاسم، لأن أمريكا تصدرت المشهد العالمي وأصبحت هي الآمرة والناهية، وتشن الحروب بدون تفويض دولي. وربما كان أضعاف المنظمة الدولية أمرا عاديا بدون تبعات دولية على صعيدي السلم والحرب، لو أن الولايات المتحدة احتفظت بموقعها الدولي القوي ومارست دورا قياديا فاعلا. ولكن جاءت حوادث 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية لتحجم دور الولايات المتحدة وتظهر الخطر الناجم عن ظهور عالم أحادي القبطبية. ومع وصول الرئيس الحالي إلى البيت الأبيض أصبح العالم يفتقد القيادة التي تتسم بشيء من الحكمة.

فلا الولايات المتحدة قادرة على توفير ذلك الدور ولا الأمم المتحدة تملك القوة لأدائه. فحين يصبح الرئيس الأمريكي معنيا بالرد على كل تغريدة تذكره ويدخل في مهاترات حتى مع زوجة جندي أمريكي قتل في أفريقيا لأنها انتقدت أسلوب تواصله معها، فهذا يعني غيابا حقيقيا للدور القيادي للولايات المتحدة.

عندما برزت ظاهرة الإرهاب قبل عقدين كان التردد هو السمة الأوضح في السياسة الأمريكية إزاءها. فلو كانت أمريكا قوية لاتخذت قرار التصدي لها. ولا بد من الاعتراف بأن الإعلان الأمريكي على لسان الرئيس جورج بوش الابن بعد حوادث 11 سبتمبر مشروع «الحرب ضد الإرهاب» عنوان ايجابي يعكس قدرا من ممارسة القيادة، ولكن الأداء لم يكن بمستوى الإعلان. فبرغم ذلك الإعلان إلا أن الاعتبارات الاقتصادية والسياسية الأخرى التي تشبث بها البيت الأبيض حالت دون خوض حرب فاعلة، فتحولت تلك الحرب إلى عمليات محدودة وخجولة وانتقائية. وبشكل تدريجي تحولت إلى محاولات محصورة باستهداف ظواهر الإرهاب وليس التصدي لجذوره أو استهداف مموليه. فالحقائق التي توفرت لدى الأمريكيين والتي بلغت ذروتها بإصدار الكونغرس الأمريكي العام الماضي قانون «جاستا» كانت تكفي لتنظيم حرب شاملة تشل حركة الإرهاب، باقتلاع جذوره وتجفيف منابع تمويله والتصدي للأنظمة التي تدعمه. إن فشل محاولات احتواء ظاهرة الإرهاب يعود لواحد من أمرين: أما العجز الأمريكي من النواحي الاستخباراتية والعملياتية، أو الرغبة في إبقاء الإرهاب من أجل تحقيق أهداف سياسية. أيا كان الأمر فإن تجربة خمسة عشر عاما من «الحرب على الإرهاب» أدت لتداعي الدور القيادي الأمريكي. هذا العجز أحدث فراغا سعت دول إقليمية للقفز عليه لتحقيق أهدافها السياسية. وسيظل العالم يعاني من غياب القيادة الدولية، لمنع تفاقم الخلافات ونشوب المزيد من الحروب.

إن شن الأعمال العسكرية عبر الحدود خارج إطر الشرعية الدولية ظاهرة مقلقة جدا، تعيد إلى الأذهان الظروف التي سبقت نشوب الحربين العالميتين. ويزيد من هذا الخطر نزوع القوى الكبرى لاتخاذ المواقف الأحادية نظرا لغياب التوافق الداعم لسياساتها. ومن المؤكد أن غياب الدور القيادي للأمم المتحدة يزيد من خطر نشوب المزيد من الصراعات المسلحة. وثمة مصاديق أخرى لغياب القيادة الدولية.

أولا: استمرار الحرب التي تقودها السعودية على اليمن، وعدم ظهور مؤشرات لوقفها. هذه الحرب التي مر على نشوبها أكثر من 30 شهرا أصبحت تتحدى الضمير الإنساني وتكشف عجز عالم القرن الحادي والعشرين عن وقف مجاعة تهدد ثلاثين مليون إنسان وأمراض فتاكة أصابت أكثر من مليون منهم وحصدت أرواح آلاف أخرى. برغم ذلك لم يصدر عن الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي دعوة لوقف فوري غير مشروط لإطلاق النار، والسبب أن «العالم الحر» أصبح محكوما برجل لا مكان في قاموسه للقيم الخيرة التي تبلورت بعد تجارب الحربين العالميتين.

ثانيا: يتجلى بصلف قوات الاحتلال الإسرائيلية التي استغلت الغياب القيادي المذكور، ونصبت نفسها قائدة للمنطقة بعد أن طبعت علاقاتها مع بعض الأنظمة التي تحكم بلدان الشرق الأوسط. أنها قوات احتلال غاشمة تواصل سياسات استبعاد سكان الأرض الأصليين واستقدام الأجانب وتجنيسهم، كما تهدف لمد نفوذها السياسي بالتحالف مع الأنظمة الاستبدادية التي تسعى للاستفادة من الخبرات الأمنية الإسرائيلية التي اكتسبتها على مدى سبعين عاما من الاحتلال في المواجهات التي لم تتوقف مع الشعب الفلسطيني. وفي غياب القيادة الدولية التي تعمل لتنفيذ القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن لإنهاء الاحتلال، أصبحت الساحة مهيأة لرموز الاحتلال لممارسة البلطجة وتحريض الغرب على دول المنطقة.

ثالثا: يتجلى في التهديدات المتواصلة من المملكة العربية السعودية للجيران، فبعد اجتياح قواتها البحرين في 2011 واليمن في 2015 استمر التهديد ضد دولة قطر ولبنان كذلك. وأخيرا وجهت تهديدات للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي تهديدات ليست جديدة بل انطلقت منذ انتصار ثورة إيران الإسلامية في 1979، فكان هناك دعم للحرب التي انطلقت في سبتمبر 1980 واستمرت ثمانية أعوام، وتم تأسيس مجلس التعاون الخليجي بعد ذلك ببضعة شهور (فبراير 1981). وكان واضحا وجود أجندتين مختلفتين لدى البلدين أوصل الأمور إلى حد التصادم خلال مواسم الحج في الثمانينات وبلغ ذروته في 1987 عندما قتل أكثر من 400 من الحجاج الإيرانيين في شوارع مكة خلال مسيرة «البراءة من المشركين» التي اعتاد الجانب الإيراني تنظيمها خلال مواسم الحج السابقة. مع ذلك تقارب البلدان في فترات متقطعة، أهمها في القمة الإسلامية التي عقدت بطهران في 1997 بحضور الأمير عبد الله بن عبد العزيز الذي أصبح ملكا لاحقا. اليوم يتصاعد التوتر بين البلدين بشكل مرعب.
 
رابعا: ثمة تحالف غير معلن بدأ يتبلور في المنطقة على غير ما يأمل السعوديون. فقد حدث تقارب غير متوقع في العام الأخير، بين كل من تركيا وإيران وروسيا، لأسباب تتعلق بالوضع في سوريا وكذلك في تركيا. فقد كان للمحاولة الانقلابية في تركيا العام الماضي آثار سلبية على معنويات الأتراك الذين هرعوا لمد الجسور مع الجيران، بعد أن رأوا أصابع أمريكية وخليجية وراء المحاولة الانقلابية، الأمر الذي أغضبهم ودفعهم للبحث في خيارات موازية. كما أن التطورات في سوريا أظهرت واقعا جديدا من معالمه ضرورة التفاهم مع الجيران لمنع ظهور حالة تمزق في الأمة تبدأ بمشروع انفصالي لدولة الكردية. واتضحت كذلك ضرورة احتواء ظاهرة الإرهاب التي جسدتها داعش، لكي لا تتوسع في تركيا وتهدد أمنها. وقد لاحظت الدول الثلاث أن التحالف الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة ليس جادا في التصدي لداعش أو القضاء الكامل على الإرهاب.

سيظل غياب القيادة الدولية مصدر قلق واضطراب دوليين، بل مؤشرا لاحتمال نشوب نزاعات مسلحة تفوق ما يجري في اليمن، وقد تؤدي لحرب عالمية ثالثة بعد التحالف الثلاثي المتلهف للتوسع بين أمريكا والسعودية و»إسرائيل». إنه شبح مرعب يقتضي العمل الدولي بمشاركة أوروبا لإبعاده قبل حلول الكارثة.

جريدة القدس العربي

أضيف بتاريخ :2017/11/20

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد