آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. عبد الحي زلوم
عن الكاتب :
مستشار بارز لشؤون البترول منذ أكثر من 45 سنة. أنهى دراسته الجامعية الاولى والعليا في الهندسة والادارة من جامعات تكساس، لويزيانا، كاليفورنيا، و هارفرد في الولايات المتحدة بعد انهاء دراسته الثانوية في القدس. عمل في الولايات المتحدة واوروبا. كما ساهم في الاعمال التأسيسية للعديد من شركات البترول الوطنية العربية في الخليج والعراق وافريقيا،

كيف يمكن لأمة من 400 مليون من البشر و22 دولة وجغرافيتها تتحكم في 3 قارات بأن تكون بلا وزن تتلاعب بها الأمم؟

 

د. عبد الحي زلوم

الجواب أن تلك الدول حسب تعريف صامويل هانتغتون هي (دولٌ ممزقة)؟ فكيف ولماذا؟

جاء القرن الواحد والعشرون وجاء معه المحافظون الجدد وأغلبهم من الصهاينة المتعصبين وعلى رأسهم رئيس مخمور اسمه جورج دبليو بوش أدعى أنه قد تاب وأنه أصبح يحكم عبر اتصال مباشر مع رب العالمين . أثناء الحملة الانتخابية سُؤل إن كان يعرف من هي طالبان فأجاب بعد تفكير أنه يعتقد أنها فرقة روك اند رول، ولكن كانت أول حروبه على طالبان والتي أصبحت أطول حرب بالتاريخ الأمريكي  . ليس غريباً في الولايات المتحدة أن تنتخب السلطة الدائمة والخفية رؤساء من أمثال جورج دبليو بوش و دونالد ترامب . ولكي لا يعتبر كلامي مبالغة  دعني أبقى ضمن معايير البحث العلمي . بيّن البروفسور سوارتز  SWARTZ أنه لو تم تطبيق المعايير DSM-IV في المرجع المعتمد في الطب النفسي (the Diagnostic Statistical Manual of Mental Disorders) على الرؤساء الأمريكيين السبعة والثلاثين من جورج واشنطن حتى ريتشارد نيكسون ، مستعملين سائر المعلومات المتوفرة عنهم ، لتم تصنيف 18 منهم معانين من بعض الاضطرابات و الأمراض النفسية. كما بين البروفيسور سوارتز أن المعايير المستعملة لو تم التشدد بها لكانت النتيجة أسوأ بكثير. فهل يا ترى كون الاضطراب النفسي هو أحد مكونات الوصف الوظيفي حين يختار بارونات المال رجالهم في البيت الأبيض والكونغرس؟

كانت زمرة الصهاينة المحافظين الجدد قد أتت من مؤسسة (القرن الأمريكي الجديد)  والتي تدعو إلى الأحادية الأمريكية والهيمنة الكاملة على  العالم وأن على دول العالم كله قبول وتطبيق فكر الرأسمالية الانغلوساكسونية التي تدّعي أن النموذج الأمريكي وحضارته يجب أن تُعمم على العالم كله وأنها صالحة لكل زمان ومكان . وأن من معها فهو من الأخيار ومن لا يتقبلها فهو من الأشرار الذين ينبغي تغيير أنظمتهم وقادتهم .

 كان هذا المبدأ يتنافى تماماً مع دراسات  ونظريات البروفيسور صامويل هانتغتون الأستاذ في جامعة هارفارد ومؤلف الكتاب الشهير (صراع الحضارات ).كان هانتغتون يدعو السياسة الأمريكية أن تتعايش  مع الحضارات الأخرى لأنها ستكون المحرك الرئيسي للدول بعد انهيار الاتحاد السوفياتي . لهذا عارض هانتغتون  الحرب على العراق لأنه مهد الحضارات الإنسانية ورأى أن محاولة فرض النموذج السياسي الأمريكي سيكون إهانةً إلى حضارة العراق الإسلامية  . ورأى هانتغتون أنّ أحد أركان السلم العالمي هو التعايش بين الحضارات المختلفة عبر دول تلك الحضارات المحورية وهي روسيا بالنسبة للارذودكس والصين بالنسبة للبوذية  والهند بالنسبة للهندوسية . ولكنّ الإشكالية كما رآها هي فقدان الحضارة الإسلامية اليوم إلى دولة محورية .

رأى هانتغتون أن الدولة العثمانية  كانت هي دولة المسلمين المحورية لعدة قرون  .

في محاضرة له في تركيا سنة 2005 خلُص إلى القول أنّ اتجاه النخب التركية لتحقيق انضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي هو اتجاه خاطئ ذلك لأن الحضارة الإسلامية هي مرجع  الجماهير التركية ولا تتماشى مع حضارة الغرب .لذلك اعتبر أن محاولة أتتاورك الحداثة عبر حضارة هي ليست الحضارة المرجعية للأتراك قد جعل من تركيا طوال القرن العشرين مثالاً نموذجياً لما اسماه ( بالبلد الممزق (Classic Torn State)).

ولا يستطيع المرء إلا أن  يستنتج أن جميع الدول العربية والإسلامية هي دول ممزقة لأن الاستعمار ألبسها حضارة هي ليست حضارتها وهذا يفسر انعدام وزن هذه  الدول في مسرحها الإقليمي والدولي.وفك الارتباط بين الحضارة  العربية  الإسلامية  هو هدف دائم للاستعمار وما حمْلتهُ على هذه الحضارة عبر حربه الإرهابية  إلا لتثبيت فك الارتباط  بين العالم العربي والإسلامي وحضارته لتبقى دوله دول ممزقة.

رأى هانتغتون أن تركيا بحزبها وتوجهها الإسلامي يمكن لها أن تصبح الدولة المحورية التي يفتقدها العالم الإسلامي خصوصاً وأن الدولة العثمانية  كانت دولة الإسلام المحورية لعدة سنوات . ورأى أن بُعْد تركيا هو العالمي العربي والإسلامي وليس الاتحاد الأوروبي وأن الارتباط بين تركيا والعالمين العربي والإسلامي سيزيدها قوة لأنها تسبح في بحرها .

وأن التحالف التركي العربي الإسلامي سيكون عنصر استقرار خصوصاً بتواجد الأحزاب الإسلامية والتي هي الأكثر شعبية في عديد من الدول العربية . ويرى أن دولة أو تحالف  كهذا مع عضو في حلف الأطلسي سينشأ شراكة مفيدة للولايات المتحدة والدولة العثمانية الإسلامية الجديدة خصوصاً إذا بقيت ضمن نظام السوق والديمقراطية كما الحال  في حزب العدالة والتنمية في تركيا.

وجد هذا المشروع قبولاً من أردوغان لأنه كان يؤمن بمثل هذا التوجه . وكان أثناء دراسته قد كتب مسرحية تصل إلى نتيجة أنّ الماسون واليهود هم أعداء تركيا . و من المعلوم أن كمال آتتاورك كان ماسونياً ومن يهود الدونمة وأن حركته ( الاتحاد والترقي )التي كانت تدير شبكة ماسونية يهودية ضد الدولة العثمانية كما وصفها السفير البريطاني لوثر في كتاب منه إلى وزارة خارجيته .

عندما تصالحت  تركيا مع نفسها عندما حكمها حزب العدالة والتنمية وأصبحت مرجعيتها هي حضارة الجماهير التركية عملت المعجزات فتم سداد كافة ديونها الخارجية بل وأصبحت الدولة ذات الاقتصاد السابع عشر في العالم. كذلك بقيت إيران دولة ممزقة طيلة حكم النظام الشاهنشاهي إلى أن جاءت  ثورتها الإسلامية فتصالحت مع نفسها فأصبحت قوة إقليمية سياسياً ودفاعياً  بل واقتصادياً بالرغم من الحصار  والعقوبات.

بدأت تطبيقات نظرية هانتغتون فاستلم الحكم خلال أول سنة من سنوات الربيع العربي الجماعات الإسلامية في تونس والمغرب ومصر بالإضافة إلى السودان وظنّ الإخوان المسلمون أنهم قاب قوسين أو أدنى من استلام الحكم في سوريا . جعلت هذه الأحداث صهاينة تل أبيب يرون نجوم الظهر ويعيشون في مسلسل الرعب . هم يريدون تفتيت البلد الواحد حسب خطط كبيرهم بيرنارد لويس وها قد أصبحت عدد من الدول العربية تتحد عقائدياً وماذا لو أعلن هؤلاء الجهاد ضد الكيان الصهيوني وماذا لو تمّ استغلال مصادرهم الطبيعية لبناء اقتصادهم كما حصل في تركيا بدلاً من استعمالها في تدمير الذات ؟ فبدأت الغرف السوداء بالعمل للانقلاب على الربيع العربي ليصبح خريفاً مشغولاً بحروبه الداخلية والقطرية . ولم تسلم تجربة أردوغان من الهجوم عليها فتم إدخاله في متاهات الحرب على سوريا بل وتمت محاولة الانقلاب عليه بل واغتياله.

 فإنجازات أردوغان وحزبه هي أكثر مما يتحمله أصحاب النظام المالي العالمي وصهاينته.

ماذا يخبئ المستقبل للمنطقة . أرادوا دولة محورية للإسلام بقيادة تركيا ولكن نشأت دولة إسلامية محورية يمتد نفوذها من حدود أفغانستان وحتى شاطئ البحر الأبيض المتوسط وهي الجمهورية الإسلامية الإيرانية. أرادوها من الشمال فجاءتهم من الشرق فأمريكا تريد والله فعال لما يريد . فكيف حدث هذا ؟

لا ينقص الولايات المتحدة العلماء في السياسة والاقتصاد بل وكل العلوم ولكن هؤلاء لا يحكمون . فمثلاَ تم الانقلاب على توصيات هانتغتون . ومثلاً اثبت استاذين من أعرق الجامعات الأمريكية في هارفارد وشياغو أن الساسة الأمريكيين يتبعون ضغوط اللوبي الإسرائيلي والتي تتعارض سياسته مع مصالح الولايات المتحدة.

 فالمؤسسة الخفية الدائمة تخطط لمصالحها مع أنها اقل من 1% من عدد سكان الولايات المتحدة لكنها تمتلك أكثر من 50 % من ثروة أمريكا ولا تهتم بمصالح الأغلبية والذين يمتلك 90% منهم 7% فقط من الثروة الأمريكية . وهنا يكمن السبب الرئيسي لخسارة الإمبراطورية الأمريكية أكثر معاركها ومما سيوصلها إلى مصير الاتحاد السوفياتي السابق بالرغم من جبروت قوتها فهي اليوم تناصب العداء مع الدول المحورية للحضارات كلها والتي ذكرها هانتغتون .

في إدارة ترامب قطاع النفط يدير الخارجية الأمريكية بشخص رئيس مجلس إدارة أكبر شركاتها ويدير وزارة الحرب (البنتاغون) جنرال يحب أن يسميه أحبائه بالكلب المسعور ويدير البيت الأبيض صهاينة متعصبون ورئيس عمل ثروته مع المافيا وكازينوهات القمار فأي شرق أوسط عربي / إسلامي سينتج عن هذا الكوكتيل العجيب.

والسؤال هنا ما العمل؟ والجواب واضح جداً . إذا كانت إحدى مشاكلنا هي أن دولنا ممزقة  لانسلاخ نخبها عن حضارة شعوبها وعندما تنسجم وتتصالح مع نفسها أولاً ستندثر عوامل الفرقة الإثنية والمذهبية والطائفية والمناطيقية والقومية وستلفظ تلك الدول نُخبها التي أرادت أن تلبسها لبوس حضارة هي ليست لها وهي فاشلة في عقر دارها .

في محاضرة له في جامعة هارفارد سنة 2007 قال من يُدعى مؤرخ القرن العشرين اريك هوبسوم  أن الإمبراطورية الأمريكية ستفشل ولكنها في طريق انحدارها ستسبب الكثير من الفوضى والبربرية ويبدو أن عالمنا العربي سيكون له نصيب الأسد منها خصوصاً وأن دوله ممزقة.

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2018/03/03

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد