آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. وفيق إبراهيم
عن الكاتب :
باحث استراتيجي متخصص في شؤون الشرق الأوسط

صانعو حكومة لبنان أسبابهم متناقضة!

 

د. وفيق إبراهيم

بات واضحاً أن اتصالات فرنسية سعودية وافق حزب الله على نتائجها أدت إلى إنتاج الحكومة اللبنانية.

حاول المشكّلون تجميلها بباقة من نساء وأطباء ووجوه شابة، لكنهم عجزوا عن إخفاء ملامح الاستنفار الطوائفي الكبير عن واجهتها الأمامية، وهو استنفار له وجهان متناقضان: الأول يستطيع بواسطته أن يمسك بكل مكامن التوتر في الاجتماع السياسي اللبناني لأنه مسيطرٌ على كل تفاصيله بثلاثين وزيراً يُجسدون كل أنواع القراءات الدينية عند المذاهب والطوائف والتكايا والزوايا.

أما الوجه الآخر فإن هذا التمكن الحكومي في ضبط كل أنواع اللبنانيين قابل للتفجير في مراحل التوتر الإقليمي أو عند تسلمه ايعازات دولية من قرارات معادية للإرهاب أو استهداف للنظام المصرفي اللبناني. وهذا الكابوس المسلط على رأس الحكومة قرأ على اللبنانيين «مسودته الأولى» المبدئية مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون تمويل الإرهاب مارشال بلينغسلي الذي يزور لبنان حين قال إن بلاده تراقب نشاط حزب الله الإرهابي وتترقب «الدلائل» لإعلان قراراتها، وهذه لن تتم إعلانها إلا حين يريد الأميركيون تفجير حكومة سعد الدين الحريري وتعميم الاضطراب.

لماذا يسمحون إذاً بتشكيلها؟

وجود رئيس الحكومة حين كان لا يزال مكلفاً في باريس كانت فرصة لاجتماع حاسم مع وزير الخارجية جبران باسيل برعاية فرنسية دقيقة جرى التمويه عليها. ويبدو بالاستنتاج أن الفرنسيين تناقشوا مع إطراف ثلاثة متصارعة في الساحة اللبنانية: الأميركيون والسعوديون وحزب الله عبر إيران.

انتبه هؤلاء إلى ثلاثة انواع من الأخطار المتسارعة والمتفاقمة التي تدفع لبنان نحو الانهيار: الاقتصاد المتضعضع والتهديد الإسرائيلي والإقليم المتصارع على كل شيء.

وهؤلاء يعرفون أنه ليس لدى الطبقة السياسية اللبنانية أي حلول لهذه المخاطر الكارثية، لأنها هي التي تسببت بها بسطوها على عائدات الدولة وديونها وانقساماتها العميقة حول طرق مجابهة «إسرائيل» وبناء سياسات انبطاحية مع كل أطراف الإقليم حولتها هراوات تقاتل بعضها بعضاً، وترفع من إمكانية التصادم الدائم بين اللبنانيين بشكل دائم.

ولأن السياسات الدولية منهمكة في مواضيع أكبر من لبنان وتتّجه إلى تحشيد سبع دول عربية في إطار السياسة الغربية مع تأمين قواسم مشتركة لها مع «إسرائيل»، فكان ضرورياً بالنسبة اليها الدفع باتجاه نشكيل حكومة تضبط نسبياً الاوضاع في لبنان وتحول دون تفجيرها الى مراحل «التشكل الغربي» لمشروع التحشيد العربي الجديد.

لجهة حزب الله فلا تزال أولوياته في الإقليم، لكنه بات يستشعر ميل بعض الداخل مع الإقليم العربي والخارجي لاستهدافه «إرهابياً» أو عبر سلاحه بقرارات مصرفية قاسية أو بالدعوة إلى مقاطعته داخلياً.

لذلك وافق على تشكيل حكومة لا يمتلك فيها معدلات وزراء موازية لحجمه النيابي مع حلفائه من مختلف الطوائف والمذاهب، يكفي أن حلف الحريري مع حزبي القوات والاشتراكي ليس لديهم إلا نحو 42 نائباً يتمثلون باثني عشر وزيراً بينما لحزب الله وحلفائه نحو 45 نائباً وليس لديهم إلا ثمانية وزراء وربما تسعة فقط.

هذا يكشف مدى التسهيلات التي قدمها حزب الله الحريص على التسربل بعباءة الحكومة اللبنانية الدستورية في مرحلة يشعر فيها بعمق الاستهداف الذي يتعرّض له في الداخل والخارج.

هذا عن ظروف التشكيل وأسبابه، فماذا عن إمكانات هذه الحكومة وقدراتها على تلبية بعض الاساسيات التي يحتاج إليها اللبنانيون.

اقتصادياً تنصبُ اهتمامات الحكومة على مؤتمر «سيدر» الفرنسي الذي يجلب للبنان نحو 11 مليار دولار على شاكلة ديون وهبات ويأمل عبرها أن يوقف الإفلاس المتصاعد.

لكن من استمع إلى رئيس الحكومة بعد اعلان التشكيل أُصيب بذعر، خصوصاً حين التزم بإعادة بناء الأسس التحتية في البلاد لم يسأله أحد ماذا فعل أبوه الشهيد رفيق الحريري والحكومات المتعاقبة الموالية له منذ 1992 وحتى اليوم في هذه البنى التحتية، علماً أنهم أنفقوا عليها كما يزعمون نحو 85 مليار دولار هي مجمل الدين العام، ولبنان مصنف إلى جانب الصومال وتهايتي بين أكثر البلدان تخلفاً على مستوى بناه التحتية ويتربّع على رأس لائحة الفاسدين.

فكيف ستتمكّن هذه الحكومة من دعم الزراعة والإنتاج؟

ألا يتطلب ذلك منها إعادة تحليل العناصر التي يستمد منها الاقتصاد اللبناني أسباب استمراره؟

هناك من يغمز ويلمز مشيراً إلى اتجاهات حكومية بالذهاب سريعاً نحو استثمار النفط اللبناني في مناطقه الجنوبية البحرية المحاذية للكيان الإسرائيلي وذلك بوساطات أميركية تقترح تسويات بين لبنان و»إسرائيل» على أن تكون الشركات الأميركية هي الراعية لأعمال الاستثمار والتسويق.

أما سياسياً، وهي الوسيلة الوحيدة التي تسمح بتعويم الاقتصاد اللبناني، فإن حكومة الاستنفار الطوائفي المرتكزة على كل عصبيات الإقليم المتصارعة، لن تتجرأ على تطبيق سياسات معتدلة إلا بعد مصالحات بين السعودية وسورية وإلا فإنها تتمترس في «آخر الخيل»، كما تقول الأمثال الشعبية.

والمعروف أن الاقتصاد اللبناني المبني على السياحة والترانزيت والمصارف يحتاج دائماً إلى حدود سورية مفتوحة تربطه بكل من الأردن والعراق والخليج.

وهذا أدى حتى أواخر التسعينيات إلى ازدهار اقتصادي لبناني وتراجع بعد انفجار الأزمة السورية.

ويرفض «التيار السعودي في لبنان» تنشيط الحدود مع سورية في حركة ضغط خليجية أميركية تستهدف الدولة السورية، لكنها بالحقيقة لا تفعل إلا إيذاء الاقتصاد اللبناني منفرداً وبالتالي مصلحة اللبنانيين من الطبقات الوسطى والفقيرة.

يتبين بالنتيجة أن هذه الحكومة لها طابع «تسكيني» ومهمتها إدارة الأوضاع على حالها والحيلولة دون تفاقمها بانتظار مستجدات إقليمية ودولية تنبثق من نتائج الصراع بين المحاور الأساسية في المنطقة وهذا لا يدعو إلى العجب لأنه السر العجيب في استمرار لبنان هذا الكيان الضعيف بإمكاناته والقوي بحاجة الغقليم إليه.

جريدة البناء اللبنانية

أضيف بتاريخ :2019/02/02