آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
علي آل غراش
عن الكاتب :
كاتب وإعلامي

السعودية: العنف ضد المرأة يدفع لهروب الفتيات خارج البلاد والملف يحرج النظام

 

علي ال غراش

سياسة السعودية في عهد الملك سلمان وابنه ولي العهد الأمير محمد وضعها كما يقول المثل الشعبي “من دحدرة إلى حفرة” أي من أزمة إلى أكبر. فقد نجحت في صناعة المشاكل، والأعداء في كل مكان من خلال شن الحروب المباشرة كما تفعل حاليا ضد اليمن، والتدخل في شؤون الدول الأخرى، وفرض حصار على دول كدولة قطر، وملاحقة واختطاف المعارضين إلى درجة التصفية والقتل كما حدث للإعلامي المعروف جمال خاشقجي الذي قتل بأيدي أفراد أجهزة الاستخبارات السعودية بتكليف من مكتب ولي العهد السعودي، بالإضافة إلى ظاهرة هروب النساء إلى الخارج طلبا للحماية كالفتاة رهف القنون وشهد المحيميد وإيمان وغيرهن، خوفا من الاعتقال التعسفي والتعرض للتعذيب والتحرش كما يحدث للعديد من المعتقلات في السجون السعودية ومنهن لجين الهذلول، وهروب أكثر من مليون مواطن سعودي للخارج، هذا باعتراف رسمي سعودي. وقد نشرت جريدة “الحياة” تحذير عضو مجلس الشورى الدكتور صدقة فاضل من تزايد أعداد السعوديين المقيمين بصورة دائمة في الخارج، ودعا وزارة الخارجية في بلاده إلى درس الظاهرة وأسبابها، قبل أن تشكل تهديداً أمنياً أو معضلة اجتماعية، موضحا أن إقامة نحو مليون سعودي في الخارج، يمثلون خمسة في المئة من السكان في فترة وجيزة نسبياً، لهو مؤشر على خلل ما، على الجهات المعنية مراجعته ودراسته قبل أن يتفاقم.

وكشفت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة مع بداية عام 2019 عن إحصائية ذكرت فيها أن عدد طالبي اللجوء السعوديين قد تضاعف في عام 2017 بنسبة 318 في المئة مقارنة بعام 2012 أي بارتفاع نحو 330 في المئة، فليس هناك بلد في العالم لا يوجد فيه لاجئون من السعودية وذلك بسبب سياسة السلطة الحاكمة في الرياض الفوضوية والاستبدادية والدموية، التي لها نتائج سلبية على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فالمجتمع السعودي في حال اختناق قد ينفجر في أي لحظة.

ثقافة التشدد والكراهية

قد تكون الفوضى هي سمة إدارة البلاد منذ تأسيسها، فكل شيء يصدر حسب مزاج الحاكم بدون استشارة ومشاركة الشعب في اتخاذ القرار، فهو من يحدد سياسة البلد والتوجه، ففي العقود الماضية التي سبقت عهد الملك سلمان تبنت السلطات الفكر الديني السلفي المتشدد حسب منهج مدرسة محمد بن عبدالوهاب واعتمدته في كل مؤسسات البلد التعليمية والإعلامية والثقافية وغيرها حيث أصبحت جميع مؤسسات الدولة تحت سيطرة المد الديني الشكلي، وقامت السعودية الترويج لنفسها باعتبارها دولة دينية محافظة لها خصوصية، فالحاكم يلقب باسم خادم الحرمين الشريفين، والدولة تدعي أنها تتبع الشريعة الإسلامية، وتتعامل مع كل ما هو حديث بأنه حرام مثل المذياع والتلفزيون والترفيه وحفلات الغناء والطرب والسينما، والتعليم وبالخصوص للنساء وأجهزة الستلايت والهواتف الذكية وغيرها وبعد سنوات سمحت بذلك. وخلال تلك الفترة وبفضل المال والدعم الإعلامي تم الترويج للأفكار الدينية السلفية باسم الصحوة الدينية، واستطاعت السلطات صناعة جيل من الشباب المتطرف المتشدد المؤمن بالفكر التكفيري وتشجيعه للمشاركة في الحروب في الخارج باسم الجهاد وصار الشباب السعودي حطبا لحروب تبنتها السلطة لإرضاء الغرب كما حدث في أفغانستان وسوريا والعراق وغيرها. وشهد عهد الملك سلمان الذي سمي عهد الحزم والعزم تغييرا في التوجه باسم الانفتاح حسب رؤية 2030 بدون استشارة أو مشاركة الشعب في الرؤية ومشروع الانفتاح فتم أولا التبرؤ من الأفكار الدينية المتشددة المتطرفة الجهادية، والقول إن الدين كان مختطفا في المرحلة السابقة من قبل بعض رجال الدين وبالخصوص أتباع مدرسة الإخوان المسلمين، والسماح للمرأة بقيادة السيارة وفتح دور للسينما وبتواجد الفرق الغنائية والاستعراضية، واعتقال كل من ينتقد مشروع الرؤية أو يخالف التوجه. فشن الأمير محمد بن سلمان حملة اعتقالات تعسفية واسعة ضد أمراء ورجال الأعمال ورجال الدين والكفاءات والنخب من كل المناطق والتيارات والتوجهات والمهن وامتلأت السجون بالمعتقلين والمعتقلات وهذه أول مرة يتم فيها اعتقال عدد كبير من النساء لأسباب تتعلق بحرية الرأي والعمل الحقوقي.

سياسة التهميش والتغييب والاستخفاف بالشعب لم تتغير في عهد الملك سلمان وابنه ولي العهد الأمير محمد الذي يروج للانفتاح والترفيه فهو في الحقيقة كبقية العهود السابقة الحاكمة في السعودية من حيث العقلية الفوضوية والاستبداد والتهميش للشعب المغيب والمطلوب منه في كل عهد وسلطة أن يطبل ويمدح ويمجد سياسة الحاكم.

الازدواجية والمزاجية

سياسة التقلب والمزاجية والفوضوية للحكام هي الأخطر على المجتمع، فهي تؤدي لمشاكل اجتماعية كبيرة وخطيرة، فمشروع الدولة الدينية السلفية التكفيرية وفرضها بالحديد على الشعب وتأسيس شرطة دينية كان لها سلبيات فادحة على ثقافة المجتمع والتربية، فالدولة مسؤولة عن تدمير المجتمع والأسرة وضياع الهوية، وسياسة دعم التوجه الديني المتطرف جعلت البلاد مملكة للتكفير والكراهية والانغلاق والتحجر، وأدت إلى تدمير الشباب، وصناعة جيل لديه ازدواجية في التفكير والشخصية، يعيش بعدة شخصيات ويتظاهر بشخصية المتدين في بلاده ولكنه في المنزل شخصية مختلفة عن الشارع وعن المسجد وعندما يجتاز حدود الوطن له شخصية أخرى ربما متحررة، انه يقلد شخصية أفراد العائلة الحاكمة الذين يتحدثون باسم الدين والتشدد والتحجر داخل البلد أمام الشعب وعندما يذهبون للخارج يمارسون العكس تماما.

الانفتاح بطريقة فوضوية

إن سياسة الانتقال حاليا لمشروع الانفتاح بطريقة فوضوية بدون مشاركة الشعب حتما ستكون لها تداعيات خطيرة على الفرد والمجتمع وقد بدأت الآثار بالظهور. فالانتقال من دولة متحجرة ترفض ما هو شرعي كقيادة المرأة للسيارة، إلى الانفتاح والترويج لأفكار تخالف بعضها الشريعة التي تدعي السلطات السعودية تبنيها وتريد أن تروج للانفتاح باسم الدين، واستغلال رغبة العديد من الشباب للابتعاد عن التحجر الذي روجته السلطات السابقة، ولكن أي انفتاح الذي يفرض من الحاكم فقط للبرامج الترفيهية بينما الشعب يمنع في عهد الانفتاح من حرية التعبير عن الرأي؟

سلطات الرياض ومن خلال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تقوم بالترويج الإعلامي لرؤية 2030 ولمشروع الانفتاح في أنحاء العالم وفي الداخل من باب التغيير والحرية، ولكن هذا المشروع يرفض أن يمارس المواطن أي شيء من الحرية الحقيقية مثل المطالبة بالحقوق وحق التعبير عن الرأي واختيار الفكر وغيره، وهذا أدى إلى مشكلة حيث هناك عدد من الشباب أخذوا شعار الانفتاح باعتباره حرية شاملة، انه جيل يريد إثبات وجوده وممارسة حريته باسم مشروع الانفتاح.

ويحاول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان استقطاب الشباب لجانب مشروعه المستقبلي لأنه يعلم أهميتهم في المجتمع حيث يقدر عددهم بنحو 75 في المئة من السكان. ولكن المشكلة أن الأمير أراد أن يطرح مشروع الانفتاح للترفيه فقط: سينما وفن ومهرجانات للغناء والرقص والاستعراض والمصارعة وغيرها، وأن يقوم الشعب وبالخصوص الشباب بدعم المشروع بينما هم كانوا في الحقيقة يعتقدون أن الانفتاح يعني الحرية بشكلها الواسع كما يعرفون عنها عبر الإعلام وبالخصوص عبر العالم الافتراضي، وليس كما تروج له السلطة. الشباب متعطش للحرية الحقيقية بعد عقود من الانغلاق والتحجر والكراهية ورفض الآخر، يريدون انفتاحا يسمح بممارسة الحرية للتعبير عن الرأي، وفي اختيار دستور للبلد، وفي تحديد نوع نظام الحكم واختيار الحاكم عبر صناديق الانتخاب، وله الحق في المطالبة بمحاسبة المسؤول الفاسد، له حرية مناقشة الأفكار.

قمع واستبداد

في ظل مشروع الانفتاح وباسم رؤية المملكة 2030 قامت سلطات الرياض بتصفية عدد من المعارضين وبحملات اعتقالات واسعة ضد النشطاء والحقوقيين وبالذات من لهم مشروع إصلاحي وتغييري، وكذلك اعتقال من يدعم مشروع الانفتاح والتغيير الحقيقي، ولكن لهم وجهة نظر ونقد لبعض الأساليب التي لا تخدم مصلحة الوطن، والاعتقالات طالت شخصيات كثيرة من الكفاءات والنخب الوطنية من جميع المناطق والفئات والتيارات بالإضافة للحقوقيين ومجموعة من الإعلاميين وباستهداف الشباب الواعي الذي يتطلع للانفتاح والحرية بشكل حقيقي ومن عبر عن رأيه عبر برامج التواصل.

ولكن الملفت في عهد الحزم والعزم قيام السلطات باعتقال عدد كبير من النساء وبالتحديد من لهن نشاط في المطالبة بالحقوق والدفاع عن الحريات مثل سمر بدوي ونسيمة السادة وإسراء الغمغام، نوف عبد العزيز، وفاطمة النصيف، ونعيمة المطرود، وايمان النفجان، مساء الزهراني، وعزيزة اليوسف، ولجين الهذلول وغيرهن. وقد أكدت وسائل إعلامية عن تعرض بعض المعتقلات للتعذيب الوحشي والتهديد بالقتل كما حدث مع الناشطة المعتقلة لجين الهذلول حسب تصريح والدها وما كتبته أختها علياء الهذلول في صحيفة “نيويورك تايمز”.

هروب الفتيات

حوادث الاعتداءات والانتهاكات ضد المعتقلات أثارت انتباه العالم وسببت حرجا للسلطة السعودية، وفتحت من جديد ملف الحريات وحقوق الإنسان. وتزامنا برزت قضية جديدة أكثر إثارة للإعلام والرأي العالمي وهي قضية هروب الشابة رهف القنون التي تحدثت عن تعرضها للعنف الأسري وأن السلطات تلاحقها لإعادتها لاعتقالها وتعذيبها، هذه القضية فتحت ملف العنف ضد المرأة في السعودية.

إنها قضية أحرجت النظام الذي حاول بكل ما يستطيع إعادتها للسعودية حيث طلب من السلطات التايلندية القبض عليها أثناء مرورها في طريقها إلى أستراليا، ولكن الفتاة استطاعت أن تجعل قضيتها عالمية، وكسبت الرأي ما أدى إلى ردود فعل قوية في العالم وبالخصوص من قبل الجمعيات الحقوقية.

ولم يستطع النظام فعل أي شيء، وقد حصلت الفتاة رهف على حق اللجوء في كندا واستقبلتها حكومة البلاد رسميا.

الحكومة السعودية تعاملت مع قضية رهف باستعلاء وبأسلوب التهديد والقمع، والإساءة الشخصية للفتاة المراهقة، وشغلت السعودية مكائنها الإعلامية ومن يدور في فلكها، باستهداف سمعتها ما أدى للإساءة لشرف الفتاة وعائلتها وللمجتمع، لقد حاولت السلطات زرع الخوف والترهيب والتحذير من حدوث حالات هروب جديدة.

ولكن الذي حدث هو العكس حيث أصبحت قضية رهف قصة ساخنة وتحولت الفتاة إلى شخصية معروفة في وسائل الإعلام العالمية، وحقق اسمها المرتبة الأولى في العالم في برامج البحث الإلكتروني بجميع اللغات، واستفادت أوتاوا كثيرا من إعطاء رهف حق اللجوء في كندا لتوجه صفعة قوية للرياض وكشف حقيقتها أمام العالم.

قضية رهف وخروجها على وسائل الإعلام هزت كبار المسؤولين في السلطة السعودية واستطاعت الشابة أن تجعل ملف الحريات والعنف والقمع ضد المرأة في السعودية قضية رأي تشغل وسائل الإعلام في العالم، وتجدد اهتمامها بما يجري داخل السعودية وإضافة إلى ملف جريمة قتل جمال خاشقجي والمعتقلين والمعتقلات والتعذيب، لينفتح ملف هروب الفتيات.

ما حدث للفتاة رهف مؤلم جدا، مراهقة عمرها نحو 18 عاما تتعرض للاعتداء والعنف داخل أسرتها وتهرب من دولة إلى أخرى وتواجه الكثير من التحديات للبحث عن ملجأ آمن خارج المنزل والبلد، فذلك يدل على وجود مشكلة.

حتما هناك العديد من حالات العنف والاعتداء على الأبناء والبنات داخل الأسر السعودية، البعض تمكن من إيصال قضيته إلى وسائل الإعلام وهناك حالات ما زالت داخل دور الرعاية التي تحولت إلى سجون وأخرى مصيرها السجن داخل بيت الأسرة، وهناك من حاول الهروب ونجح بدون ضجة إعلامية ومن فشل فلم يجد طريقا غير الانتحار.

هناك حالات أكبر من حالة رهف، فقبل فترة هربت فتاة أصغر منها اسمها شهد المحيمد، كانت سافرت مع أهلها إلى تركيا ثم هربت وفي سيارة تاكسي وصلت إلى جورجيا ثم إلى السويد. إنها رحلة هروب مخيفة وخطيرة لفتاة عمرها 17 سنة. شهد لم تجد الأمن والأمان والسلام والاستقرار عند أهلها ولا في مؤسسات الدولة التي لجأت إليها للحماية ولكن تم إعادتها لأهلها بالإكراه.

من الصعب تسليط الضوء على كل حالات الهروب من مملكة العنف والقمع والاستبداد، ولكن هناك حالة تستحق الذكر لأن الضحية شخصية إعلامية وهي الصحافية ريم سليمان التي هربت بعد الإفراج عنها بعد اعتقال تعسفي تعرضت خلاله للتعذيب الجسدي والنفسي والتهديد، وقد تحدثت عن ما جرى لها على أيدي أفراد الأجهزة الأمنية.

كان ينبغي على الصحافة المحلية الدفاع عن المعنفات وعن كل مظلوم وضحية وإظهار الحقيقة لإيجاد الحلول للمشاكل لا أن تقف مع السلطة المسؤولة عن المشكلة وتقوم بالتشهير والإساءة للضحايا من الرجال والنساء.

جريدة القدس العربي

أضيف بتاريخ :2019/02/05

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد