ثقافية

مدنٌ من ملح عائمةٌ على ذهب أسود: كأنها لم تكن

 

قرأت لكم: ربى رشيد

"أُكلنا يوم أكل الثور الأبيض"

"وتقوم مدن الملح، ترتفع وتكبر، لكن إذا جاها الماء: فشّ، ولا كانها كانت!" ولا يزال متعب الهذال في كل عربي عتيق، وما برح أهل وادي العيون وحرّان يتربصون حتفهم واحدًا بعد الآخر "أُكلنا يوم أكل الثور الأبيض". ولا تزال هذه الأرض تفيض ذهبًا أسود، تنتظر قدراً ألمع، لا سواد يلوّثه ولا دنًسا يطأ قدمًا له عليها. ماذا لو كان لهذه الأرض أكثر من ابن هذال يذود عنها ويحمي حماها من أولاد العم سام ومن لفّ لفّهم، والذين أتو بحجة مساعدة أهل العرب باستخراج النفط فخرجوا أسيادًا منها ولها؟. وماذا لو لم ينسب إلى هذه الأرض أمثال ابن راشد وطويل العمر ذاك، ممن رضخوا للسلطة وتزلّفوا اليها وساهموا ببيع الأرض ومن عليها وما احتواه جوفها؟

 

تعتبر خماسية "مدن الملح" للأديب السّعودي عبد الرحمن بن منيف (1933-2004) الحاصل على دكتوراه في اقتصاديّات النفط، والذي شغل مناصب عدّة في هذا الإطار في بغداد ودمشق وبيروت، من أشهر الروايات العربية لكاتبٍ كان له سبحٌ طويلٌ في مجال النفط وخفاياه وسياساته الإقليميّة، فهو ممن عايشوا التغيرات التي أحدثتها الثورة النفطية في صميم وبنية المجتمعات الخليجية العربية. لكنّه سرعان ما صُنِّف كمعارض لنظام الحكم في المملكة السعودية، وقد منعت رواياته من دخول المملكة وكثير من الدول الخليجية في تلك الحقبة، إلى أن انتهى الأمر بابن نجد بسحب الجنسية السعوديّة منه. تتضمن هذه الخماسية العناوين التّالية: التيه، الأخدود، المنبت، بادية الظلمات، وتقاسيم اللّيل والنهار. تصور الخماسيّة الحياة البدويّة مع بداية اكتشاف النفط والتحولات المتسارعة التي حلت بمدن وقرى الجزيرة العربية بسبب أكتشاف النفط. ويعنى كل جزء بإبراز وجه من وجوه التّغير الي طرأ على المجتمع القائم وسلطته، وسنتطرّأ إليها تباعًا في مقالات قادمة كلّ على حدا.

 

يتناول الجزء الأول "التّيه" والذي صدر سنة 1984، بداية أحداث اكتشاف النّفط في الخليج وكيف تعامل معها السّكان الأصليّون، وكيف تأقلموا مجبرين مع حياتهم الجديدة. يمثّل متعب الهذال كلَّ عربي أبى ما فرض عليه وحاربه بكل ما أوتي من قوة في وجه القبيلة الرّاضخة لطويل العمر والسّلطة. فبعد معاناة مع الأجانب الذين قطنوا أرض الخليج صُدِم السّكان بأنّهم غدوا أهل الدّار.

 

- وادي العيون دمعة في عيون أهله

يروي الكاتب كيف خيّم الصمت القاسي على هذه الأرض "الجديدة"، وكيف بدا وادي العيون كصحراء ما عدا أكوام بقايا الشجر، شيئٌ قاس لئيم معادٍ وأقرب ما يكون إلى الموت، وكيف رحل أهلها برضاهم قبل أن ترحّلهم العصا، وكيف بقي بعضهم ينازعون حتى آخر لحظة مثال أم الخوش التي قضت خريف عمرها بانتظار الخوش الذي لم يعد إليها وماتت قبل أن ترحّل عن هذه الأرض التي احتضنتها في اليوم الأخير لها علّها تبقى وفية لعودة الخوش إلى ما بقي من وادي العيون، وعن الحب في زمن الترحال واللا استقرار تمر حكايات أسمر لم يهدِ حبيبته ذهبًا ليلة عرسه بسبب لعنة ذهبٍ أسودَ مدفون. غاب متعب لسنوات عن تلك الأرض، لم يجرؤ أحد على أن يتوفّاه فمن مثله لا يموت.

 

 يروي الكاتب كيف اجتاحت “التركتورات” ومعداة الحفر الحديديّة معالم الحياة البسيطة وغيرت وجه البلاد والسّكان يقفون مذهولين من هول المصاب، يخافون البواخر والآليّات الثقيلة ويتودّدن لهذا وذاك ليعملوا عند شركات الحفر والتنقيب عن النفط، وليجدوا صغائر النفوس يقولون لهم: "وكلوا يا عربان وادعوا لطويل العمر!". وكيف كان بناء المدن بطريقة عنصرية، فهذه مدن الأمريكان وتلك للعربان وكأن العرب بأقل منزلة على أرضهم من غرباء ما خلف المحيطات أتوا ليقولوا لهم: "هؤلاء البدو لا تنفع معهم إلّا العصا".

 

وها هم الأمريكان عرفوا مفاتيح العمّال وأذلّوهم بلقمة عيشهم، ولم يكونو يعطونهم كامل أجرهم بحجةٍ من هنا وهناك، ليبقوهم أجراء رهنَ طموحاتهم الكبرى. فأقاموا ما يسمى بالإدارة العامة لتصنيف العمال وتوظيفهم لديهم في مدنهم ومؤسّساتهم الجديدة، ومن وجدوه جديراً لتنفيذ مكايدهم عرضوا عليه السفر لأمريكا للتدريب، هم عرفوا كيف يحرّضون السكان على بعضهم ليتباعدوا فيما بينهم ويقدّموا الطّاعة للأسياد الجدد. وبين الأمير والأمريكان ضاعت حقوق الناس!

 

ومع التغيير العمراني والديمغرافي دخلت أنماط عيش وعادات جديدة ودخيلة من ملابس وأثاث وألعاب إلى حياة العرب، ناهيك عن النساء العاريات التي أتت عبر البحار مع الأمريكان، ما أدّى إلى التفكّك الاجتماعي وتصدّع الموروث الثقافي للشباب كما كبار السّن. وعن التعاملات في ما بينهم برز التناحر والأنانية بين أولاد الأرض، كلٌّ يريد قطعة الجبن الأكبر له، أكان بيتًا أجمل أو رتبةً أعلى، في وقت كانوا يتقاسمون في وادي العيون شربة الماء وظلَّ أشجار النّخيل. وقد وصلت عدوى التناحر بين الأبناء إلى الأمير الذي خاف على مكاسبِه وراح يتخلّص من هذا ويقيل ذاك، والأمريكان يتفرّجون على عرض مسرحيّ أخاطوا حبكة كواليسه بعناية فائقة.

 

وفي حران كما وادي العيون تتغير الأسماء والقدر واحد، حداثةٌ وتطوّرُ شبكة طرقات، واستهجانٌ وخوفُ أمير الأرض من سيارة تمشي على أربعة دواليب، أو مذياع تخرج الأصوات منه بغير لسان. حتى قال أحد الأهالي يومًا: "إذا عشنا يجون يقطرون حران كلها، يربطونها بحبل مثل ما يربط الحمار" ويقولون: ”حي حي فتمشي“.

 

 - متعب الهذال صوت كلّ عربيّ أصيل

وفي ليلة ظلماء أضيئت الصحراء الميتة، وأشعلت النار في عدد من الخيام وكسر أزيز الرصاص سكينة الفجر. كيف ومتى ولم حدث كل هذا؟! قالتها عجوز حكيمة يومًا، ومن مثل متعب الهذال لا يموت، لا أحد هنا يفكر في الانتقام وأخذ الثأر ممن لوثوا الحجر والبشر غير متعب بن الهذال الابن الوحيد لهذه الأرض الثكلى.

 

لم يره أحد لكنه عاد طيفًا هاجسًا بل لعنة على الأمريكان الذين شددوا الحراسة وتقوقعوا على أنفسهم ولم يخالطوا العرب في حالة من الخوف والترقب. وهل تكفي ليلة صاخبة  ليتذوّق هؤلاء من كأس الخوف والقهر الذي شربه أهل وادي العيون وحيران وسواها؟ وماذا تساوي بضع ساعات لأمّ الخوش ومتعب الهذال الذي لم يتمنَّ أكثر من أن يعيش على أرضه بسلام وأمان في خيمة صغيرة قرب ساقية تفيض حبًّا! وقد جاء يوم أيقظ فيه ابن الهذال في قلب كلٍ عاملٍ مستضعف صوت معاناةٍ، فتحطّمت المنشآت وأضرمت النّيران وأعلن الاضراب في وجه الأمير، وما أهَمَّ الأخيرَ إلّا خطُّ الأنابيب والمنشآت النفطيّة، فقوبلوا بالطّرد من عملهم.

 

 نعم، اليوم شعر العمال أنهم مسحوقون، سجناء على أرضهم ممنوعٌ عليهم الاقتراب من برك السّباحة ومنازل الأمريكان، يضربون بالكرباج إذا وجِدوا في أماكن ممنوعة فيتسائلون هل الأمير أمير عليهم أم أنّه كالنعجة يستمع للحارس الأمريكي يصمت ثم يهز رأسه بأدب.

 

وكما يلطم الموج الصخر ضربت ريح الغضب وجه وقلب أهل الحميّة كالنار في هشيم الذّل وانتفض أهل الأرض  على أعدائها. وصدق ابن نفاع عندما قال بعد أن رحل الأعداء وأدواتهم "شفنا قبلهم كثيرين راحوا، بس اللي يجون ما هم دايمًا أخير، ويمكن نترحم علّى اللي راحو اليوم!"

أضيف بتاريخ :2016/09/11

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد