آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
أسعد أبو خليل
عن الكاتب :
(مواليد 16 آذار/مارس 1960) هو بروفيسور لبناني-أمريكي في العلوم السياسية في جامعة ولاية كاليفورنيا، ستانيسلاوس ويحاضر في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. كتب أسعد أبو خليل: القاموس التاريخي للبنان (1998)، حرب جديدة على الإرهاب مع بن لادن، والإسلام وأمريكا (2002)، المعركة من أجل السعودية (2004). يدير مدونة تحت عنوان، "وكالة أنباء العربي الغاضب".

عهد الـ «سافاك»: عندما كان تدخّل إيران في لبنان محموداً

 

 أسعد أبو خليل

مسدس التذكّر» كولاج للفنان الفرنسي جوليان باكو


يكثرُ الحديث في السنوات الماضية ــ في لبنان وفي خارج لبنان ــ عن دور الحكومة الإيرانيّة في لبنان. ويتعاظم الاعتراض حول حق إيران في التدخّل في لبنان، من قبل الأطراف التي تتدخّل في لبنان أكثر من أي طرف آخر، أي أميركا وإسرائيل، وحليفات الأخيرة في منطقة الخليج. لكن الدور الإيراني في لبنان ليس جديداً أبداً، بل هو يمتدّ ليشمل سنوات نظام الشاه الذي لم يكن تدخّله يثير حفيظة أو اعتراض من نادي المعترضين اليوم على التدخّل الإيراني. لكن التدخّل الإيراني في زمن الشاه كان متوافقاً مع التدخلات الإسرائيليّة والغربيّة في لبنان، ما أضفى عليه مسحة من الرضا. والتدخّل الإيراني، كان مثل التدخّل الأميركي والإسرائيلي، أي متشعّب ومتداخل، ويتراوح بين التسليح وبين تمويل حملات انتخابيّة.

ليس هناك من مراجع موثّقة عن الدور الإيراني في لبنان في زمن الشاه. فالكثير من الوثائق تعرّض للتلف أو السرقة، وليس من أرشيف مُعتمد في ذلك. لكن الباحث (المحافظ) عباس ويليام سامي (القريب من مراكز الأبحاث اليمينيّة في البلاد) نشر في عام ١٩٩٧ مقالة قد تكون وحيدة في توثيق تفصيلي عن تدخّل السافاك في لبنان في زمن الشاه. والدراسة، بعنوان «سياسة الشاه نحو لبنان: دور السافاك»، نُشرت في مجلة «ميدل إيسترن ستاديز» (مجلّد رقم ٣٣، رقم ١، يناير ١٩٩٧). واعتمد المؤلّف على مقابلات شخصيّة مع ضباط في السافاك عملوا في الشأن اللبناني، وعلى ضابط في المخابرات الإيرانيّة العسكريّة، وعلى عميليْن متقاعديْن في المخابرات الأميركيّة عملا في لبنان قبل الثورة الإيرانيّة. وزاد المؤلف على ذلك مراجعة في الأرشيف للتاريخ الشفهي لإيران في مؤسسة الدراسات الإيرانيّة ومشروع التاريخ الشفهي الإيراني في جامعة هارفرد. لكن الوجهة السياسيّة للمراجع هي واحدة، ولهذا يجب التعاطي بحذر مع نتائج بحث سامي هذا، خصوصاً أن لمتقاعدي نظام الشاه مصلحة في الاقتصاص من أعداء النظام.
ويتضح من مراجعة سجلّ سياسة إيران الشاه نحو لبنان كم كان الشاه متطابقاً في سياساته مع مصالح إسرائيل. العدوّ المشترك كان في زمانه جمال عبد الناصر. بدأ التنسيق بين نظام الشاه وإسرائيل في أواخر عام ١٩٥٧، عندما أرست الحكومتان دعائم تحالف استراتيجي (راجع «المثلث الإيراني: الحكاية غير المرويّة عن الدور الإسرائيلي في قضيّة إيران-كونترا» لسامويل سيجيف). والتحالف الاستراتيجي جمع مثلاً بين الموساد والـ«سافاك» والاستخبارات التركيّة، وإن كان للمخابرات الأميركيّة الدور الأكبر. وتبادلت حكومتا إيران وإسرائيل المعلومات عن النشاطات المصريّة في العالم العربي، وساهما سويّةً في دعم القوات الملكيّة في حرب اليمن وتمرّد الأكراد في العراق. وأمدّ الموساد حكومة الشاه بمعلومات عن نشاطات المصريّين والعراقيّين والشيوعيّين المتعلّقة بإيران (راجع الجزء الثامن من مجلّدات وثائق السفارة الأميركيّة في طهران، المنشورة بعنوان «اسناد لاني جاسوسي أمريكا» ــ وهذه المجلّدات غير مستعملة كثيراً من قبل الباحثين العرب، وهي صعبة المنال في المكتبات الجامعية، وقد اطلعتُ عليها في جامعة كاليفورنيا في بيركلي).
لقد كان اللقاء بين كميل شمعون وشاه إيران في ١٩٥٧ أساسيّاً في إنشاء التحالف بين نظام الشاه وبين قوى اليمين الانعزالي اللبناني (المتحالف مع إسرائيل). واتفق الحاكمان على «معارضة أي تدخل أجنبي في الشؤون الداخليّة» (طبعاً، البيان هو مفارقة في حد ذاته لأن النظاميْن عوّلا على دعم وتدخّل غربي لصالحهما). وليس صدفة أنّ تدخّل الـ«سافاك» في لبنان تزامن تماماً مع إنشاء الـ«سافاك» نفسها في عام ١٩٥٧، وكانت الساحة اللبنانيّة من أولويّات عملها. وتدرك من النظر في وثائق الفترة تلك كم أن كل استخبارات الدول الرجعيّة، العربيّة والإسلاميّة والغربيّة، تفرّغت في التآمر على جمال عبد الناصر.
والحقل الكبير للتدخل الإيراني والتركي (وحتماً الإسرائيلي لكن الإفراج عن الوثائق الإسرائيليّة عن لبنان يتأخر كثيراً لأن الذين تعامل العدوّ معهم لا يزالون في الحكم عبر العائلات أو الأشخاص) كان في لبنان. كميل شمعون الذي كان يشكو من تدخل النظام المصري التقدمي طلبَ بصفاقة تدخّل تركيا وإيران إلى جانب صفّه اليميني. ووافق الشاه على طلب المساعدة من شمعون لأنه كان يرى في عبد الناصر والقوميّة العربيّة خطراً على مصالح نظامه وعرشه. وأمدّ الشاه كميل شمعون والميليشيات المتحالفة معه بالسلاح والذخائر (ص. ٦٧). ولأوّل مرة نعلم من مرجع مطبوع أن إسرائيل أمدّت نظام شمعون بالسلاح في أواخر السبعينيّات: فقد نقل العدوّ أسلحة غنمها من العدوان الثلاثي إلى لبنان عبر إيران. أي إن كميل شمعون (بطل السيادة والعروبة، عند البعض في حينه) اعتمد على مساعدة خارجيّة إيرانيّة وإسرائيليّة وتركيّة، بالإضافة إلى العون الغربي والخليجي.

والذي نسّق عمليّات المساعدة هذه من الجانب اللبناني هو فريد شهاب، مدير الأمن العام الذي سمحت عائلته بعد وفاته بنشر بعض من محفوظاته (لكن شهاب ــ المتدرّب على مكافحة الشيوعيّة على يد سلطات الانتداب، والمُدان بالتجسس للنظام النازي ــ أحرق الوثائق السريّة التي كانت بحوزته قبل وفاته).
وتعاظمت أهميّة لبنان في نظر الشاه بعد سقوط الملكيّة في العراق في عام ١٩٥٨. وتولّى مسؤول المخابرات الخارجيّة في الـ«سافاك»، حسن بكرافان، مهمّة محاولة إرجاع الملكيّة. وكان مسؤولو الـ«سافاك» يسافرون مرّة في الشهر إلى بيروت حيث يجتمعون مع يتامى العهد الملكي العراقي، مثل عبد الهادي الجلبي (والد أحمد) وجودت الأيّوبي وتوفيق السويدي وأحمد مختار بابان ومحمود مختار بابان والجنرال «عبد المجيد» (لا يذكر المرجع الاسم الكامل). كما أن مسؤول قسم الأكراد في الـ«سافاك»، عيسى بجمان، كان يسافر إلى بيروت للقاء المتمرّدين الأكراد. أي إن لبنان كان ساحة مفتوحة للعمليّات السريّة للـ«سافاك» في لبنان وفي العالم العربي.
وأثارت الثورة العراقيّة قلق الملك حسين، خصوصاً أن إقصاء العائلة الملكية الهاشميّة ترافق مع دعاية سياسيّة موجّهة ضد الملك حسين من إذاعة النظام الجمهوري الجديد. وكان راديو بغداد يحثّ الشعب الأردني على الانقلاب على الملك. وتلقّى الملك على الفور عوناً عسكريّاً بريطانيّاً وأميركيّاً. لكن المساعدة الأقلّ شهرة له في ذلك الحين كانت من إيران. وطلب الملك حسين من الـ«سافاك» تعيين مندوب للـ«سافاك» في عمّان، وهكذا كان تحت ستار الملحق العسكري للسفارة الإيرانيّة في الأردن. وألغى الجنرال تيمور بختيار، مسؤول الـ«سافاك»، شحنة أسلحة ونقد إلى الأردن لأنه اشتبه بأن الملك يريد العرش العراقي لنفسه. وبناء على طلب الشاه، أعدّت الـ«سافاك» «الخطة الخضراء» لـ«احتواء الناصريّة» على شواطئ المتوسّط (ص. ٦٩). وأهميّة لبنان ازادت بعد بلورة «الخطة الخضراء»، خصوصاً بسبب مركز لبنان المالي وموقعه «الحيادي» (أي المتحالف مع الغرب).
وكانت الخطة الإيرانية تريد إبعاد الشعب اللبناني عن الناصريّة وجذبه نحو إيران. وتمّ التوصّل إلى إقامة روابط مع المسلمين، خصوصاً الشيعة. وأردات الـ«سافاك» أن تستغلّ التغييرات السياسية والاجتماعية في وضع الشيعة لدفعهم نحو التحالف مع الشاه. وتمّ تعيين ضابط الطيران الإيراني، حامد ناصري، مسؤولاً لمحطة الـ«سافاك» في بيروت. وباشرت الحكومة الإيرانيّة بدفع مبالغ ماليّة لأشخاص ومجموعات، ورصدت مبلغ ٣٣ ألف دولار أميركي لصالح شيعة في لبنان (كان ذلك قبل عهد رياض سلامة، مُثبِّت سعر الليرة). ووزّع مسؤول محطة الـ«سافاك»، ناصري، ٨٠٪ من المبلغ لمدارس شيعيّة، والباقي توزّع على رجال دين شيعة. وعلم المتلقّون في حينه أن المصدر المالي هو الـ«سافاك».
وفي انتخابات عام ١٩٦٠، قرّرت الـ«سافاك» أنّ من الضروري إلحاق الهزيمة بمرشّحي جمال عبد الناصر (على الجميع إعادة النظر في تقييم ديموقراطيّة لبنان قبل الحرب: كانت دول الغرب وجمهوريّة جنوب أفريقيا وكل أنظمة اليمين الفاشي في العالم وأنظمة الخليج وتركيا والنظام الشاهنشاهي تتلاقى في دعم وتمويل وتسليح الأحزاب الانعزاليّة في لبنان فيما كانت معونات النظام الناصري للصحف الحليفة لا تتعدّى مواعين الورق). وأعدّت الـ«سافاك» خطة لترجيح نتائج الانتحابات لصالحها، وحذّر مسؤول فيها من أن العمليّة ستكون مكلفة. واعتبر مسؤولو الحكومة الإيرانيّة أن تقرير نتائج الانتخابات اللبنانيّة ستكون وجوديّة بالنسبة إلى إيران. واتفقَ على رصد مبلغ ٣٣٠ ألف دولار.
وقرّرت الـ«سافاك» أن يكون حزب الكتائب المحظوظ الهدف الأساس للتمويل من الـ«سافاك». وطلب بيار الجميّل مبلغ مئة ألف دولار من الـ«سافاك» لغايات الدعاية السياسيّة. لكن عباس سامي صاغ الفقرة في دراسته بصورة متناقضة، إذ إنه فيما كان المال الذي طلبه الجميّل يُعدّ، قالت القيادة الكتائبيّة إنها لا تريد المال خشية الارتهان لإيران، لكن المؤلّف يضيف أن صحف الحزب نشرت مقالات تنتقد عبد الناصر وتروِّج لإيران موحياً أن المبلغ الذي طلبه الجميّل وصل. وتلقّى حزب الكتلة الوطنيّة المال من الـ«سافاك» وساهم التمويل في الحملات الدعائيّة وتلقّى مرشحو الكتائب والكتلة المال. وقام مدير الـ«سافاك» تيمور بختيار بنفسه بتسليم مبلغ ٥٠ ألف دولار لكميل شمعون. والدفع المباشر لشمعون أثار حفيظة مسؤولي الـ«سافاك» لعلمهم أن شمعون، عندما تلقّى في الماضي سلاحاً إيرانياً وإسرائيليّاً، باع الكثير منه واحتفظ لنفسه بثمنه (قد يكون كميل شمعون، أكثر رئيس لبناني اهتمّ بكنز المال، في السلطة وخارجها). لكن إصرار إسرائيل على عون شمعون هو الذي أقنع بختيار بمنح شمعون هذا المبلغ النقدي الكبير (في حينه). (ص. ٧٠). وحتى حزب الداشناق استفاد من التمويل الإيراني (للانتخابات) كما أن إيران سهّلت تسفير بعض الأرمن فوق الأجواء الإيرانية.

ونظر الـ«سافاك» في أمر تمويل الحزب السوري القومي الاجتماعي لأنه كان يُنظر إليه على أنه حزب مقاتل وصلب، ولأنه تلقّى تمويلاً عراقيّاً في العهد الملكي (قبل الثورة) واصطفّ مع شمعون في حرب ١٩٥٨. لكن الشاه وضع فيتو على مساعدة الحزب السوري القومي الاجتماعي لأنه مقتَ مفهوم «سوريا الكبرى» في وقت كانت فيه سوريا جزءاً من «الجمهوريّة العربيّة المتحدة». كما اعترض على الموقف المعارض للملكيّة للحزب. وقد أبلى مرشحو الكتائب بلاء حسناً في الانتخابات، خلافاً لمرشحي شمعون.
وأقامت الـ«سافاك» علاقات مع صحف ومجلّات لبنانيّة عبر الضابط فريبورز فارزانه، الذي كانت صفته الدبلوماسيّة في السفارة غطاءً لنشاطاته المخابراتية. ويبدو أن الصحف لم تكن تعلم بصفة فارزانه الحقيقية. وطلب أصحاب عدد من الصحف اللبنانيّة المال الإيراني (كما هم يطلبون اليوم المال السعودي والإماراتي والأميركي) باستثناء كامل مروّة ــ حسب الدراسة المذكورة. لم يتلقّ مروّة «التمويل المباشر» (ص. ٧١) لكن الـ«سافاك» كانت تبتاع أعداداً من «الحياة» و«دايلي ستار» وتوزّعها في منطقة الخليج لصدّ دعاية «صوت العرب» وإذاعة معارضة إيرانيّة من القاهرة. وبعد أن تعرّضت مكاتب «الحياة» لتفجير في عام ١٩٦٠، بعد نشرها مقالة تنتقد عبد الناصر لقطعه العلاقات مع إيران بعد اعتراف الشاه بإسرائيل، منحت الـ«سافاك» مروّة مبلغ ١٥ ألف دولار لتصليح الأعطال في مكاتب الجريدة جراء التفجير.
وكانت للـ«سافاك» علاقات حسنة مع الصحف الفرنسيّة، «لوريان» و«لو سوار»، والتي كانت تنشر مقالات تقدّمها لهما الـ«سافاك». وكانت المقالات تشدّد على النوايا التوسعيّة لعبد الناصر. وعمدت المقالات إلى إثارة الشقاق بين الدول العربيّة «الراديكاليّة»، سوريا ومصر والعراق. وكانت الـ«سافاك» تبتاع مساحات للإعلان أو تبتاع أعداداً من الصحيفتيْن وتوزّعها في منطقة الخليج. ولم يجد المؤلّف دليلاً على أن المشروع التدخلي للشاه كان بإيعاز من الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة بل إن المنطلق كان القلق الكبير الذي ساور الشاه من نشاطات عبد الناصر.
أما في موضوع موسى الصدر، فيجب التعامل مع ما ذكره المؤلّف بحذر لأن ليس هناك من تأكيد له من مرجع آخر، عكس ما ذكره عن الدعم الإيراني لقوى الانعزال اللبناني، لأن الإشارة إلى هذا الدعم ترد في الوثائق الديبلوماسية الأميركيّة المُفرج عنها. كما أن هناك سرديّة صهيونيّة شاهنشاهيّة جديدة تحاول أن تحمّل النظام الإسلامي في إيران المسؤوليّة عن قتل موسى الصدر، مع أن مسؤولية نظام القذّافي لا شكَّ فيها. وكتاب أراش رايزينزهاد، «شاه إيران وأكراد العراق وشيعة لبنان»، الذي صدر في عام ٢٠١٨، ناسبَ الدعاية الصهيونيّة كثيراً وروّج للكتاب إعلام طغاة الخليج وإعلام الصهيونيّة في الغرب. والمعلومات في تلك المصادر تتناقض: عباس سامي يزعم أن تيمور بختيار بارك مجيء الصدر إلى لبنان بعد وفاة المرجع عبد الحسين شرف الدين (ص. ٧٢) لكن المعروف أن جعفر شرف الدين وعائلات صور هم الذين اقترحوا مجيء الصدر إلى لبنان. واختيار الصدر كان محلّ إجماع بين آية الله أبو القاسم الخوئي وآية الله محسن الحكيم في النجف، وآية الله حسين برورجردي في إيران. أما القول إن الصدر كان يتراسل مع الشاه عبر صديقه، علي كاني، فهذا وارد في كتاب «سقوط السماء»، لأندرو كوبر. والصدر حافظ على علاقته مع الخميني وزاره في النجف في ١٩٦٨، لا بل إنه ساهم في محاولة إقناع الخميني بالانتقال إلى لبنان. (وأذكر أن السفير الإيراني في بيروت، منصور قدر، دخل مكتب والدي في مجلس النواب في أوائل السبعينيّات فوجد الصدر جالساً، فجلس من دون أي تبادل للحديث بينهما على الإطلاق. ورفض الصدر السلام عليه، ما يتناقض مع الروايات الجديدة عن علاقة الصدر بالـ«سافاك». (ورواية المستشرق الإسرائيلي، «من قتل موسى الصدر؟»، في مجلة «أميركان إنترست»، ٢٦ أيلول ٢٠١٩، مبنيّة على كتاب رايزينزهاد).
يقول عباس سامي إن الصدر لم يطلب من الحكومة الإيرانيّة أي مال، لكنه يعود ليقول إنه قبل مالاً من باشاي، مسؤول الـ«سافاك» في بيروت بعد رحيل ناصري. لكن سامي يعود ليقول إن الصدر رفض أي عرض لتمويل مباشر لا بل حذّر من منح أموال لأحد (من خاصيته). لكنه اقترح إرسال معلّمين وبناء مدارس ومستشفيات. أما القول إن مسؤول الـ«سافاك» هو الذي عرّفَ الصدر إلى الطبقة السياسيّة فهذا يجافي الانطباع الذي تركه من عاصر مرحلة صعود الصدر. الـ«سافاك» كانت على علاقة وطيدة مع كامل الأسعد (كما سيرد أدناه)، لكن الصدر كان معادياً له، مثلاً ــ وعداء الأسعد للصدر فاق عداء الصدر للأسعد. كما أن العائلات الشيعيّة في صور، والبورجوازيّة الجنوبيّة الصاعدة في الجنوب، هي التي دعمت الصدر وأهّلت له الفوز بانتخابات النبطيّة الفرعيّة في عام ١٩٧٤، والتي كانت الضربة القاضية ضد الإقطاع الشيعي. وكانت شعارات الصدر في حينه تتناقض مع السياسات الإيرانيّة في المنطقة.

(ويذكر سامي أن إنشاء معهد البرج الشمالي التقني لم يكن بتمويل إيراني).

فريق الانصياع للتحالف الخليجي – الإسرائيلي – الأميركي ، ليس اعتراضه على الدور الإيراني في لبنان من منطلق سيادي، فهو يبزّ الجميع في الولاء للخارج

ويرسم سامي صورة مغايرة عن علاقة الصدر مع منظمة التحرير، ومنظمّة «فتح» تحديداً، إذ إنه يقول إن الصدر كان «مرغماً» (ص. ٧٦) على موالاة منظمة التحرير. ما الذي أرغمه؟ كان يمكن له أن يتخذ الموقف المحافظ للزعماء التقليديّين. وليس صحيحاً ما يرويه أن الصدر انتقد السنّة في عام ١٩٧٣ بسبب تأييدهم للمقاومة الفلسطينيّة، كأن الصدر كان في حينه أقل تأييداً للمقاومة من صائب سلام أو تقي الدين الصلح. أما قصة أن الصدر انتقد منظمة التحرير لأنها قصفت إسرائيل و«استفزّتها» فإنها خبريّة مفبركة بالكامل. لم يحدث ذلك أبداً ويمكن العودة لتلك الفترة، حيث كان موقف الصدر شديد التأييد للمقاومة الفلسطينيّة. وتجهد كي تعثر على مصادر لرواية سامي ولا تجد إلا كتاب أغسطس ريتشارد نورتون عن حركة أمل. لكن نورتن لم يعرف الجنوب إلا بعد اجتياح ١٩٧٨، وما يذكره عن حركة أمل مبني على اجتماعاته مع داوود داوود، ويبدو أن سامي أسقط مواقف داوود في أواخر السبعينيّات على مواقف الصدر في ١٩٧٣. كما أن الصدر رحّب بفصائل المعارضة الإيرانيّة في جنوب لبنان وعرّفها إلى قادة منظمة التحرير، الذين أشرفوا على تدريب بعضها.
أما العلاقة بين لبنان وإيران فانقطعت على الصعيد الرسمي في عام ١٩٦٩ بعد تورّط مدير الـ«سافاك»، بختيار، في تهريب السلاح ومحاكمته في إيران. وكان بختيار موجوداً في لبنان، ورفضت الحكومة اللبنانيّة طلب استرجاعه من الحكومة الإيرانيّة. ولم يتم وصل العلاقة إلا في صيف ١٩٧١ بعد زيارة كميل شمعون طهران واجتماعه مع الشاه. وفي عام ١٩٧٣، أطلّ منصور قدر كسفير إيران في بيروت ومسؤول الـ«سافاك» فيه وبقي في منصبه حتى نوفمبر ١٩٧٨. ويقول سامي إن العلاقة بين قدر والصدر كانت سيّئة، لأن الصدر منع حصول قدر على عمولة من تمويل إيران لمشروع الصدر في إنشاء مجمّع جامعي ومستشفى. ويقول سامي إن قدر حاول تجنيد الصدر لكن الأخير رفض، وأن قدر قدّم تقارير ضد الصدر إلى الشاه وجاء فيها أن الصدر ليس مولياً لإيران أو الشاه. ويبدو أن رفض الصدر لمحاولات التجنيد من قِبل قدر هو الذي أدّى إلى سحب الجنسيّة الإيرانيّة من الصدر.
بحلول عام ١٩٧٤، أراد الشاه قطع الدعم عن الشيعة في لبنان وعن الصدر، الذي اتهمه بقبض أموال من ليبيا والعراق. وكان منصور قدر يسعى لاستبدال الصدر بحسين الشيرازي. وتنامت معارضة الصدر للنظام الإيراني والشاه، لتحالفه مع إسرائيل. وأشرف الصدر على تشييع علي شريعتي في عام ١٩٧٧. وكتب الصدر مقالة في «لومند» ضد الشاه في آب ١٩٧٨. وفي عام ١٩٧٨، عندما شاركت إيران في «يونيفيل»، كان عددٌ من الجنود مجرّد عملاء للـ«سافاك»، وكانت مهمتهم «تحديد وعزل أتباع الصدر» (ص. ٨٤). والأهم أن الـ«سافاك» موّلت كامل الأسعد في إنشاء ميليشيا (من الشيعة والمسيحيّين لمساندة سعد حدّاد في الجنوب، حسب الدراسة). وعمل الشاه مع كميل شعمون، وكاظم الخليل ــ وابن الأخير، خليل، الذي كان سفيراً للبنان في طهران.
لم يكن اعتراض فريق الانصياع اللبناني للتحالف الخليجي ــ الإسرائيلي ــ الأميركي على الدور الإيراني في لبنان من منطلق السيادة اللبنانية، خصوصاً أن هؤلاء يبزّون خصومهم في الولاء للخارج. ولم يكن الدور الإيراني المتعاون مع إسرائيل يثير حفيظة دول الغرب والخليج. أي إن الدور الإيراني، لو صبَّ في مصلحة إسرائيل، فإنّ كل هؤلاء المعترضين على الدور الإيراني اليوم، سيهبّون للهتاف لإيران. لكن أجندة هذا الفريق لا ستارَ عليها: هي تريد طمأنة إسرائيل، وإزالة أي تهديد أو إزعاج لها في لبنان. وفي هذا الإطار، أتى موقف فؤاد السنيورة وسعد الحريري قبل أيّام في نصرة الموقف الإسرائيلي في المفاوضات اللبنانيّة ــ الإسرائيليّة حول حدود المياه.

صحيفة الأخبار اللبنانية

أضيف بتاريخ :2021/04/17

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد