بنر العيد

ناصر قنديل

  • إنه العراق وليس ردّ سليماني على الحريري إنه اليمن وليس ردّ نصرالله على العقوبات

    – في أحيان نادرة وفي لحظات مفصلية يتصرف التاريخ وتتحرّك الجغرافيا لتصويب مسارات خاطئة من تلقائهما، وتبدو عملية التصحيح إنصافاً لحقائق وتصويباً لوقائع، أوحت للحظة أنها التعبير الأقرب عن الواقع. ولعل هذا ما حدث مع الكلام الذي قاله رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري عما وصفه بتعويض فشل الجنرال قاسم سليماني في العراق ومحاولته التعويض بمزاعم نصر في لبنان، تعليقاً على كلام لسليماني عن الانتصار الانتخابي لحزب الله في لبنان. ومثله الكلام الأميركي تعقيباً على مفعول العقوبات على حزب الله، بالدعوة لرؤية ما سيحلّ بمن وصفوها بالميليشيات الإيرانية في اليمن لمعرفة ما ينتظرهم بعد العقوبات. في إشارة لهجوم سعودي إماراتي أميركي غير مسبوق يستهدف مدينة الحديدة على ساحل البحر الأحمر، ومينائها الاستراتيجي.

  • العقدة يمنيّة لا سوريّة

    – بمثل ما أن الانسحاب الأميركي من التفاهم النووي مع إيران بقي على حافة عدم السعي لإلغاء التفاهم تفادياً لذهاب إيران نحو التخصيب المرتفع لليورانيوم، ومواجهة خطر امتلاكها مخزوناً يكفي لتصنيع أول قنبلة نووية حتى لو لم يتم هذا التصنيع، وهو ما كان التفاهم هو الطريق الوحيد لتفاديه طالما الحرب تسرّع بهذا التصنيع وليس بالإمكانية النظرية لحدوثه فقط، فإن العلاقة الأميركية بإيران التي نتجت عن اختبار القوة الذي جرى عام 2013 بإرسال الأساطيل الأميركية تحت عنوان الحرب الحاسمة ضد سورية، وعودتها بلا حرب، وفتح التفاوض بعدها حول الملف النووي الإيراني، لا تزال محكومة بالقواعد ذاتها، تفاوض وعقوبات ولا حرب، وسعي لتفادي عودة إيران للتخصيب المرتفع منعاً لمواجهة الخيارات الصعبة.

  • الحريري والنازحون وبوتين

    – لا يستطيع رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري التنصّل من مواقفه السابقة بداية الحرب على سورية ومنتصفها، ولا من مواقف حلف لبناني عربي دولي كان في قلبه عنوانه تحويل لبنان وحدوده مع سورية خصوصاً إلى قاعدة للعمل السياسي والعسكري المعادي للدولة السورية، وأنه من هذا الموقع جرى تشجيع السوريين على النزوح وقدّمت لهم الوعود بالأموال والإيواء والمساعدات وتمّ تسهيل تمركز الجماعات المسلحة بين النازحين وتنظيم صفوفها واستقطاب ما أمكن من ضحايا النزوح، وفي هذا السياق وقعت مأساة عرسال المزدوجة، فتحوّلت إلى قلعة ثورية وفقاً لتوصيفات تيار المستقبل الذي يترأسه الحريري وكان الوزير السابق أشرف ريفي المتحدّث بلسانه يومها، وكانت مأساة خطف العسكريين واستشهاد معظمهم ثمرة لرعاية تحوّل عرسال قاعدة تحظى بالحماية لصالح الجماعات المسلحة، خصوصاً النصرة وداعش، وكانت المأساة الثانية حياة البؤس والذلّ والجوع التي تعرّض لها النازحون.

  • قمة ترامب كيم

    – تشكّل القمة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون حدثاً دولياً تاريخياً، يكاد يشبه تطبيع العلاقات الأميركية الصينية، قبل أربعة عقود، مع زيارة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون لبكين، ومثلما تمنح الوثيقة التي وقعها الرئيسان قيمة خاصة، تمنحها التعرّجات التي شهدتها والسياقات التي ولدت فيها تفسيرات ومعانيَ، فالعنوان الذي حملته الوثيقة المشتركة يشبه اتفاق الإطار الذي ولد حول التفاهم النووي الإيراني ومهّد لودلاته الناجزة بعد شهور، لجهة التزام إيران بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي والالتزام الأميركي بفك العقوبات عنها. وفي كوريا ضمانات أميركية أمنية واقتصادية مقابل شبه جزيرة كورية خالية من السلاح النووي.

  • الأسد و«الفالق الاستراتيجي»

    – تستحوذ المواقف الشجاعة في الصمود والثبات وخيار المواجهة على صورة الرئيس السوري بشار الأسد لدى حلفائه ومحبّيه، والصورة نفسها تجري شيطنتها لدى أعدائه فتصير قسوة وصولاً لحدّ الإجرام، وتوازيها صورة الوطنية الصافية والعروبة الخالصة والعلمانية المدنية، لتقابلها في الشيطنة صورة التبعية لروسيا أو لإيران والتشيّع الطائفي، لكن في الحالتين تغيب صورة المفكر الاستراتيجي الذي يستحقّ التوقف والتمعّن من الصديق والعدو. فالمحبّ يُنصف ويطمئن عندما يتيقن من هذا العمق الاستراتيجي للركن الرئيسي في صياغة مسار حرب مصيرية في المنطقة والعالم. والعدو ربما يُعيد حساباته وينظر بعقلانية عندما يقرأ بعين أخرى، وربما ينجح بتفادي رهانات خاسرة وحسابات خاطئة.

  • القمّة الروسية الصينية وملفات إيران وكوريا

    – تنعقد القمة الروسية الصينية في بكين في ظروف يطغى عليها الحديث عن خلاف صيني كوري من جهة يرجّح تفاهماً بين كوريا الشمالية وأميركا من وراء ظهر الصين، وبالعكس خلاف روسي إيراني يرجّح تفاهماً أميركياً روسياً من وراء ظهر إيران بل على حسابها. والكثير من العناوين تنتظر على جدول أعمال القمة التي تضمّ البلدين الرئيسيين اللذين تسبّبا باستنزاف صورة أميركا كدولة عظمى عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وأخلاقياً، ونجحا بإظهارها خلال العقد الأخير كدولة ترتهن للديون، وتعجز عن خوض الحرب، وتبيع الحلفاء في العلن والخفاء، وتتنكّر للعهود وتحنث بالوعود، وكانت البداية المتواضعة لتعاون بكين وموسكو في عام 2007 بالفيتو المزدوج الذي مارساه في إسقاط مشروع قرار أميركي في مجلس الأمن الدولي حول ماينمار، الذي صار عنواناً لمواجهة مفتوحة بتكرار الفيتو المزدوج في الملف السوري في تشرين الثاني 2011 وفي شباط عام 2012 قطعاً لسياق التفرّد الأميركي باستخدام مجلس الأمن الدولي غطاء أحادياً للسياسات الأميركية منذ سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي.

  • جميل السيّد

    – لأيام متتالية يتحدث النائب اللواء جميل السيد من منصة الشهود في المحكمة الدولية التي أنشئت لاستكمال مهمة من اغتالوا الرئيس رفيق الحريري بتوجيه الاتهام لكل من سورية والمقاومة. والواضح من متابعة الشهادة وما يُدلي به اللواء السيد وكيفية تفاعل المحكمة وأركانها مع شهادته أنه قد نجح بصورة لا لبس فيها في توظيف هذه المنصّة بقوة الحقائق التي يُدلي بها مقابل كمية الأكاذيب التي جرى التفوّه بها من هذه المنصة نفسها على ألسنة شهود الخمسة نجوم الذين استُجلبوا إليها لمنح المصداقية لكميات الكذب المبرمج الذي فقد مصداقيته مع سقوط شهود الزور، الذين طبعوا مرحلة لجنة التحقيق الدولية، بمثل ما طبعت شهادات السياسيين اللبنانيين مرحلة عمل المحكمة، ولأن هؤلاء السياسيين يعرفون أنّ جميل السيد يعرف، وأنّه يعرف أنّهم يعرفون، وأنّهم يعرفون أنّه يعرف أنّهم يعرفون، فلن يجرؤ أحد منهم على مساجلته بدقة ما قال أو بصدقه أو بكونه الحقيقة التي يملك السيد الكثير مما يقوله لتأييده لو تجرأ أيّ من هؤلاء على الطعن بواقعة واحدة مما قال.

  • هل أميركا في مرحلة صعود واقتدار؟

    – السؤال الذي يحمله العنوان لا يفيد في الجواب عليه الانطلاق من الرغبات، وتطويع الوقائع لقراءتها بعين تخدم استنتاجاً مسبقاً، يريده المتابع إن كان خصماً للسياسات الأميركية ومواجهاً لها تأكيداً لضعف أميركا، ويريده مؤيدو أميركا وحلفاؤها تعبيراً عن قوّتها. فهذا النوع من القراءة هدّام بل مدمّر، لأنه يبني أوهاماً سرعان ما تُبنى عليها سياسات مغامرة، فيقع خصوم أميركا في مواجهات مبنية على قراءة الضعف ويصطدمون بجدران القوّة، أو يخاطر حلفاؤها بالبناء على قوّتها خيارات سرعان ما يظهر أنها انتحارية، عندما يرونها تنكفئ وتتراجع وتتركهم لمصيرهم وحدهم.

  • العرض الأميركي بترسيم الحدود في مزارع شبعا

    – ربما يرغب بعض اللبنانيين بتفسير كلّ حركة على المستوى الدولي والإقليمي تتصل بلبنان بأسباب لبنانية، غالباً ما تذهب للقول إنه قرار دولي إقليمي بحماية الاستقرار في لبنان، أو العكس. فإنْ كان الأمر إيجابياً فهو قرار بحماية الاستقرار بتأثير المحور العربي الذي يقف مع السياسات الأميركية ولا يُحرجه التماهي مع السياسات الإسرائيلية، وإنْ كان سلبياً فهو من تداعيات «الورطة» التي وضع حزب الله لبنان في قلبها بسبب انخراطه في حروب في المنطقة وعلى رأسها الحرب في سورية. ولا يستطيع هؤلاء رؤية أيّ إيجابية ترتبت للبنان على الحروب التي خاضها حزب الله أو شارك في خوضها، وأنتجت هزيمة داعش، واستفاد لبنان حكماً من هزيمتها، وأربكت المشروع الأميركي والعدوانية الإسرائيلية وانعكس على لبنان ذلك انخفاضاً في مستوى التعرّض للمخاطر.

  • كمينٌ نصبه قاسم سليماني

    – تدعو مصادر على صلة وثيقة بمجريات الحرب في سورية إلى تذكّر كيفية مقايضة الحملة العسكرية التي نظمها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما على سورية بالحل السياسي للسلاح الكيميائي لسورية، وتقول كان هذا الكمين الاستراتيجي الثاني الذي نُصب للأميركيين، وتعود فكرته للرئيس السوري بشار الأسد الذي استبق الحملة بإبلاغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه يضع بين يديه التوظيف التفاوضي لحل سياسي يُنهي السلاح الكيميائي لسورية، لاستخدامه في لحظة احتدام خطر تدخّل أميركي واسع النطاق عسكرياً. بعدما كان الكمين الأول بما عُرف ببيان جنيف واحد من صناعة وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف وينصّ على كلام غامض عن حل سياسي وهيئة حكم انتقالية لإلهاء الأميركيين عن فكرة التدخّل العسكري، بعدما تكفل الفيتو الروسي الصيني بحرمانهم من التغطية الأممية، لحين تصير روسيا جاهزة لمثل هذا التدخل.

  • الانسحاب الأميركي من سورية صار على الطاولة

    – لن يكون سهلاً على أعداء سورية الاعتراف بأنها مع حلفائها نجحوا بالفوز بمعركة وحدة سورية وسيادتها. وهو الهدف الذي من أجله جاءت إيران ودخل حزب الله وتموضعت روسيا في هذه الحرب. ومن أجل إسقاط سورية وتقسيمها وسلب سيادتها جاء الأميركيون والأتراك والإسرائيليون والسعوديون وجلبوا القاعدة وداعش. وبعد الانتصارات التي حققها الجيش السوري بدعم حلفائه، أعلن الرئيسان فلاديمير بوتين وبشار الأسد عن التزاوج بين عملية سياسية وخروج القوات الأجنبية، وكان واضحاً أنّ القضية هي في الوجود الأميركي ومشروع الانفصال الكردي الذي يحميه، فببقائهما معاً، الاحتلال والانفصال، لن تسهل معالجة الاحتلال التركي، وبزوال الاحتلال الأميركي ومشروع الانفصال الكردي يسقط الاحتلال التركي مرتين، بالضربة القاضية، فلا هو قادر على تبرير البقاء بزوال مشروع الانفصال ولا هو قادر على رفض الانسحاب وقد سبقه الأميركيون.

  • ماذا عن مفهوم الوصاية والنأي بالنفس مع طاعة وليّ الأمر؟

    – ليس جديداً على لبنان واللبنانيين حجم الاهتمام الدولي والإقليمي بما يجري في بلدهم، وهو الواقع على الحدود مع سورية الدولة الإقليمية الأهم في الجغرافيا السياسية للمنطقة من جهة، وعلى حدود فلسطين التي أقيم فيها الكيان الاستيطاني الأشدّ أهمية في حسابات الغرب لمفهوم المصالح الاستراتيجية وحمايتها. ولا بجديد على اللبنانيين اكتشاف توزّعهم الدائم بين معسكرات دولية وإقليمية تحاول كل منها فرض رؤيتها للمنطقة وتوازناتها وتبادل الأحلاف اللبنانية الداخلية مع الأحلاف الخارجية بعضاً من المكاسب والخسائر. وقد اعتاد اللبنانيون على رؤية هذا المشهد وتصالحوا معه واعتباره غير مخالف لمفهوم السيادة، وحصروا في مصطلحات السياسة الرائجة منذ تشكّل الكيان السياسي اللبناني بعد الاستقلال، تسجيل المواقف والإدانات بتحوّل هذا النوع من التموضع والتحالفات والتأثر والتأثير إلى صيغة مباشرة لإدارة خارجية للشؤون الداخلية اللبنانية.