ناصر قنديل

  • رحيل دي ميستورا نهاية الرهانات

    – ترافقت تسمية مبعوث أممي خاص مع بداية الحرب على سورية التي سميت بالأزمة السورية لتبرير شن الحرب بداعي دعم الثورة المزعومة، التي كانت تمثل الفيلق الداخلي للحرب، بتجميع الأخوان المسلمين وبعض الغوغاء وبعض السذاجة في اللحاق بركب ما يبثه الإعلام عن شعوب كانت تحفر قبورها وتصنع حروبها الأهلية، وتسميها قنوات النفط والغاز المسماة بقنوات الحرية، بالشعوب التي تصنع ثورتها. ومع كل مرحلة فاصلة من مراحل الحرب كان هناك عنوان للمهمة، وكان اختيار المبعوث الأممي يوضع لتلبية شروط هذه المهمة.

  • الحريري اللبناني والحكومة والحسابات الإقليمية

    – يدرك الرئيس سعد الحريري أنه يصير أكثر لبنانية، بعدما تخفّف من مصالحه الاقتصادية في كل من السعودية وتركيا، وبدأ مشواراً اقتصادياً جديداً من بيروت، لو لم تكن كل أوراقه الاقتصادية لبنانية. كما يدرك أنه صار أكثر لبنانية بعدما اكتشف سهولة تعرّضه لمعاملة غير متوقعة بسبب ما يفترضه من مكانة له بين حلفائه، تتيح له أن «يمون» على تحديد المصلحة المشتركة للحلفاء انطلاقاً من قراءته الخاصة ويتوقع قبولها من الحلفاء، وهو الظنّ نفسه الذي أودى بحياة والده الرئيس رفيق الحريري عندما سار بالتمديد للرئيس إميل لحود بتلبية طلب الرئيس السوري بشار الأسد، خلافاً لما كان ينتظره منه حلفاؤه بأن يستقوي بالقرار 1559 ليكسر القرار السوري في لبنان، بمثل ما كرّر الظن نفسه عندما انقلب من ضفة قيادة الانتخابات النيابية لتشكيل معارضة بوجه سورية وحلفائها إلى البحث عن المشتركات مع سورية وحلفائها، بعدما تحقق من أن سورية على الحياد بين مؤيدي ومعارضي قانون «القضاء» آنذاك، وكما في عالم الاستخبارات في لعبة الكبار لا يهم كيف تم تنفيذ التخلّص من الذي فقد بعيون من راهنوا عليه حصاناً لمشروعهم تلك المكانة وصار دمه أغلى من لحمه كما يُقال، وصار تدبير التخلص منه وخوض معركة الحقيقة والعدالة بوجه خصومهم الذين رفض أن يخاصمهم، طريقاً مجدياً لتوظيفه بعدما بات توظيفه مستحيلاً في حياته، وقد تعرّف الرئيس سعد الحريري على بعض هذه المعاناة في تجربة الاحتجاز التي هزت كيانه وغيرت فيه الكثير بمثلما غيرت طبيعة علاقته بالسعودية.

  • سورية لا تُعامِل بالمثل

    – وضعت تصريحات القيادات اللبنانية التي تورطت بدعم الحرب على سورية وراهنت على سقوط دولتها ورئيسها مستقبل العلاقات بين البلدين والحكومتين، في إطار يُفهَم منه أن سورية تسعى لابتزاز لبنان بالمصالح الاقتصادية، خصوصاً ما يتصل منها بفتح معبر نصيب كشريان حيوي لنقل البضائع اللبنانية وشاحنات الترانزيت إلى الخليج، للحصول على مقابل سياسي هو زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى دمشق، ووصل البعض إلى القول إنه يؤمن بالجغرافيا السياسية ومقتضياتها لكن لا لزوم للعلاقات السياسية، والآخر ذهب للقول إن لبنان لم يغلق المطار على رجالات الدولة السورية بسبب السياسة كي تغلق سورية المعابر على لبنان بسبب السياسة، متناسياً أن في لبنان توزان قوة حرج بين لبنانيين مؤيدين لسورية ولبنانيين مخاصمين لها، أنتج تفادي انفجاره تسهيلات نالها المعارضون كما نالتها الحكومة، وهذا ليس هو الحال في سورية المتماسكة اليوم وراء دولتها ورئيسها، بحيث تصعب المقارنة.

  • في سورية وحدَها الحقائق ناصعة

    – الغموض والتلعثم والمراوغة والصفقات في الغرف السوداء هي عناوين المشهد الإقليمي والمشاهد المحلية في الكثير من البلاد العربية. هذا هو حال العلاقة السعودية الأميركية والعلاقة السعودية التركية، والعلاقة الأميركية التركية، بخلفية قضية جمال الخاشقجي وبدونها، بخلفية الإفراج عن قسٍّ أميركي محتجز وحديث عن استقلال القضاء وبدونها، بما يدور في العلن والسر عن إخراج ملفق للتستر على جرائم بائنة لقاء صفقات سياسية ومالية، أو في المطالبات المتكررة والمهينة التي يطلقها الرئيس الأميركي بلغة التهديد لحكام الخليج بعبارات «ادفعوا وإلا..». فالحديث عن حقوق الإنسان كذبة وعن ثورات هنا وهناك كذبة وعن حرب على الإرهاب كذبة كبرى، بل صار الحديث عن مفهوم الأمن القومي للدول من أميركا إلى تركيا والسعودية، وصولاً لحكومة الاحتلال مطاطاً يتسع ويضيق بقدر اتساع وضيق شهوات التوسع وعجز المقدرات، وصعوبة المعادلات وموازين الردع.

  • فلتفعلها السعودية وستصبح محجّة سياسية عالمية

    – في المقالة المنشورة في جريدة النيويورك تايمز عن العلاقات مع السعودية يبدو مصير جمال الخاشقجي تفصيلاً صغيراً، حيث الكلام من عيار الدعوة لعزل ولي العهد محمد بن سلمان ووصفه بالمجنون وشنّ حملة عنيفة على ما وصفته بأكاذيب الإصلاح ومكافحة الفساد وادعاءات حماية الحريات، مشيرة إلى تورط الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعائلته بفساد بن سلمان، بينما الكلام الصادر عن مصدر سعودي مسؤول وما تبعه من شروحات الصحافي تركي الدخيل، يقول إن إبن سلمان هو المصدر المسؤول وهو المصادر القريبة من صنع القرار التي أشار إليها الدخيل، ومن عيار كلام الدخيل بالردّ على التهديد بما هو أشد منه، يبدو أن التلويح بعقوبات أميركية على السعودية يؤخذ على محمل الجد من قبل إبن سلمان، ويبدو الرد انقلاباً في المعادلات الإقليمية والدولية، وموقع السعودية فيها، تحالفات وخصومات، عدا عن التلويح بتفجير أزمة نفط عالمية.

  • هل تأقلمت واشنطن مع رسالة الـ«أس 300»؟

    – في الوقت الذي تسجل تركيا تقدماً واضحاً بالنقاط على السعودية كمرشحين متنافسين للجلوس مقابل إيران في أي صيغة نظام إقليمي جديد، لا يمكن إخفاء حقيقة نقاط القوة التركية المتأتية من التموضع في منطقة الوسط بين واشنطن وموسكو، كراعيين للنظام الإقليمي الجديد الذي صارت إدارة موسكو له موضع تسليم أميركي. وتبدو تركيا مرشح روسيا المقبول أميركياً، مقابل السعودية التي تدعمها «إسرائيل» بعد التحالف المعلن بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ورعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره جارد كوشنر عبر ما سُمّي بصفقة القرن، كإطار لحل القضية الفلسطينية وإعلان تحالف عربي إسرائيلي بوجه إيران. ويبدو التراجع الذي تسجله السعودية ترجمة لفشلها في تسويق صفقة القرن وتحويلها إلى صفقة فعلية تفتح مساراً جديداً في توازنات المنطقة، وتدفع السعودية ثمن هذا الفشل إلى جانب فشلها في الفوز في حرب اليمن، بحيث بدت التداعيات الناتجة عن قضية جمال الخاشقجي أقرب للسياق المطلوب لتثبيت التراجع السعودي، كما كان غزو العراق للكويت مطلع التسعينيات أقرب للسيناريو المرسوم لإسقاط النظام العراقي.

  • أردوغان يربح حرب الزعامة على بن سلمان

    – لم يغِب التنافس السعودي التركي على مكانة الزعامة الإسلامية طيلة السنوات الثماني العجاف للربيع العربي الذي تقاسمت قيادته الدولتان، وتناوبتا عليها. ففي الربع الأول تقدّمت تركيا على السعودية عندما كانت قطر وقناة الجزيرة تصنعان «الثورات» وتشكلان الحكومات في مصر وتونس، وتقودان الحرب على سورية، وكانت العثمانية الجديدة مشروعاً تراهن عليه واشنطن للإمساك بآسيا بمثل رهانها على الاتحاد الأوروبي لوراثة دول أوروبا في الاتحاد السوفياتي السابق. وفي الربع الثاني تقدمت السعودية بسقوط مشروع الأخونة في مصر وتونس، وعودة النظام السابق بحلة جديدة بدعم سعودي معلن، وبالانتقال إلى الرهان على تنظيم القاعدة بتمويل سعودي ورعاية سعودية للفوز بالحرب على سورية. وفي الربع الثالث خسرت السعودية وتركيا معاً رهان الشراكة في التفاهم النووي مع إيران، كما خسرتا رهاناتهما المتعاكسة والمتشاركة في الحرب على سورية، عبر تنظيم داعش. ويقارب الربع الرابع على النهاية، بعد تقدّم بالنقاط حققه ولي العهد السعودي بعدما وضع كل البيض والمال السعوديين في سلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبدا أنه يتوّج ولياً على العالم الإسلامي، وبدت تركيا في موقع التراجع المالي والسياسي والعسكري.

  • تحدث دائماً... الغلطة القاتلة: الخاشقجي

    – يتساءل الكثيرون من موقع سعيهم لتبرئة السعودية من جريمة إخفاء، والأرجح قتل جمال الخاشقجي، وهل يعقل أن ترتكب السعودية هذه الحماقة، وهي قد تجلب عليهم انقلاباً في الوضع الدولي بدأت بشائره بالظهور؟ لكن هؤلاء يظنون الحديث يجري عن قرار بحجم حرب أو اغتيال رئيس دولة أو زعيم كبير، تقيم الدول حسابات كثيرة قبل التورط فيه، لأن المخاطر والتبعات تكون قابلة للتوقع والحسابات، ورغم مثل هذه الفرص التي تتيحها قرارات الحرب ترتكب الدول خطأ الحساب، كما هو حال الحرب الأميركية على العراق في آذار 2003 والحرب الإسرائيلية على لبنان والمقاومة في تموز 2006، حيث قالت الوقائع اللاحقة إنها حروب خاسرة وفاشلة، وفوق ذلك تمّ خوضها بلا استراتيجية للخروج، وقد تم خوضها بسقوف عالية، لكنها خلاصات ما بعد الفشل، فكيف بما هو أقل بكثير من الحروب، ويتّصل بشخصية يظنّ المعني بالتخلص منها أن حجمها أقل بكثير من أن يثير زوبعة بوجه دولة تتمتع بأفضل العلاقات مع القوة العظمى التي تمثلها أميركا وتحظى بتغطيتها؟

  • نقاط على الحروف ماذا ينتظر وليد جنبلاط؟

    – الإشارات التي صدرت عن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط حول تهيئه للإقدام على خطوة نحو مسار التسوية الخاصة بتشكيلة الحكومة الجديدة، توحي بإدراك جنبلاط أن الجميع سيذهبون في النهاية إلى التسوية والتنازلات، وأن مَن يبقَ إلى آخر صف المتقدّمين فسيدفع الثمن الأكبر وسيتحمّل الخسارة المعنوية عن الجميع، فيما يعرف أنه أقلّ المستفيدين من التموضع على خط العرقلة، وأكثر القادرين على التخفّف من أسباب التشدّد.

  • كلام نتنياهو تمهيد للعدوان على العراق

    – منذ أكثر من شهر أضاف قادة كيان الاحتلال العراق إلى لائحة الدول التي تضم إيران وسورية ولبنان التي يهددون بضرب مواقع السلاح المقاوم فيها، ومن على منبر نيويورك جدّد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو التهديد للعراق من ضمن لائحة الاستهدافات الإسرائيلية. وليست صدفة أن يأتي هذا التهديد بالتزامن مع القرار الروسي بنشر منظومة صواريخ الـ«أس 300» وتسليمها للجيش السوري، ولا من باب الصدفة أن يأتي هذا مع إعلان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أن الأمر انتهى، والصواريخ الدقيقة باتت بيد المقاومة، وجاءت الصور التي لوّح بها نتنياهو لما وصفها نتنياهو مواقع الصواريخ قرب مطار بيروت أقرب للمهزلة التي جعلت بعد جولة السفراء المعتمدين في لبنان عليها، من نتنياهو مصدراً للسخرية.

  • تبقى الكلمة الفصل في المنطقة سوريّة

    – لأن المقياس الوحيد الحقيقي الثابت لتقدّم وتراجع أيّ من الحلفين المتقابلين على امتداد مساحة المنطقة والعالم، يبقى التقدم والتراجع في الجغرافيا. ولأن الجغرافيا إذا تعددت مساحاتها تبقى الأهمية للجغرافيا التي تلعب دوراً مقرّراً نسبة لحجم أهميتها في حسابات القوى المتموضعة على جبهات الصراع، ولأن الأهمية هنا ليست استنسابية أو تقديرية، بل تجد تعبيراتها في حجم الاستثمار السياسي والعسكري والدبلوماسي لتحقيق التقدّم ومنع التراجع فيها، والجغرافيا هي بر وبحر وجو، فغريب عن عالم السياسة، مَن لا ينطلق في قراءة مستقبل التوازنات الحرجة التي تقوم بين الحلفين المتقابلين، اللذين تقود أحدهما واشنطن، وتقود الآخر موسكو، من نقطة الثقل الجغرافية والاستراتيجية التي تمثلها سورية، ومشتبه أو مشبوه مَن يتوه أو يريد لنا أن نتوه في تفاصيل غامضة لقراءة التوازنات، حيث الكلام المتضارب، وتقدير الأهمية استنسابي، وتحديد صاحب اليد العليا تحكمه المزاجية والأهواء السياسية، مقابل الوضوح والسطوع اللذين تقدّمهما قراءة الجغرافيا السورية وحركيتها بين المتقاتلين.

  • العلاقة مع سورية و«تربيح الجميلة»

    – حسناً فعل الرئيس سعد الحريري بنصف الاستدارة في رسم موقفه من العلاقة بسورية وتراجعه عن المعادلة التي رسمها قبل أسابيع تحت عنوان «لن أذهب إلى سورية، وإن اقتضت المصلحة الوطنية ذلك فتشواً عن غيري «. فربط مستقبل العلاقة اللبنانية بسورية بالموقف العربي والقصد الخليجي طبعاً، الذي يسيطر على الجامعة العربية، رغم أنه قال في موقع آخر إنه لن يربط موقفه بالطلب السعودي كما حدث من قبل، مشيراً إلى أن نسخة سعد الحريري الجديدة تغيرت عن السابقة، لكن الرئيس الحريري مدعو لبعض التفكير الهادئ بالأمر بعيداً عن الانفعالية التي وردت في كلامه.