آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. ياس خضير البياتي
عن الكاتب :
الدكتوراه في سوسيولوجيا الإعلام عام 1985.عمل في التدريس لطلبة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في جامعة بغداد والأردن وليبيا والإمارات العربية المتحدة وحصل على لقب الاستاذية عام 1994 من جامعة بغداد.

الجامعات العربية وتفجير الذكاء وصناعة البلادة


البرفسور ياس خضير البياتي

نعترف من البداية أن جامعاتنا العربية تعيش أزمة مزمنة ، لاتنفصل عن أزمة البيئة العربية الملوثة بفساد الأنظمة السياسة والانساق الاجتماعية والتعليمية والتربوية ،لأنها مازالت تجتر النظام التقليدي النمطي والتلقيني في نظامها وأساليبها وطرق التدريس ،مما أنتج أجيالا تفتقر إلى الابتكار والذكاء المهني والمعرفي ، والتحليل المنطقي للمعارف .بل أصبحت هذه الأجيال المتراكمة عائقا في بناء الحياة العربية الجديدة ،بمعنى أن الجامعات لم تعد مختبرا لإنتاج وتفجير الذكاء بقدر ماهي خلاصات للنمطية والبلادة المعرفية التي لاتفهم متغيرات العصر ، وأسواق العمل المستقبلية .

ويمكن القول أن خروج كل الجامعات والمراكز البحثية العربية من الترتيب العالمي لأفضل 500 جامعة على مستوى العالم، أمر طبيعي ومنطقي في ظل تدني مخصصات التعليم والبحث العلمي، واستمرار نزيف هجرة العقول العربية للخارج، وسيطرة الأجواء الطاردة للكفاءات والقدرات، مع انخفاض دخول الأساتذة، وعدم تقدير صناع القرار للعلم والعلماء،وغياب حريات البحث العلمي كجزء أساسي من تقييد منظومة الحريات العامة في البلدان العربية؛كما إن القطاع الخاص بالعالم العربي لايحتاج للبحث العلمي ولا يهتم به، لأنه يعتمد على التكنولوجيا المستوردة، بينما القطاع الخاص في أوروبا والدول المتقدمة هو الذي يمول البحث العلمي ويعتمد عليه، إضافة إلى عدم الاهتمام بالتعليم ما قبل الجامعي، لأنه في تدهور مستمر، وتدهوره يعني تدهور التعليم الجامعي، وتدني البحث العلمي. أضف لذلك ارتفاع نسبة الأمية في العالم العربي.وهو بمثابة خروج من دائرة التاريخ في المستقبل القريب،رغم أن  الجامعات العربية غنية بالكوادر العلمية الراقية، في الداخل والخارج، لكن المشكلة أن لدينا منظومة إدارية فاشلة.

ورغم ما حققته بعض الجامعات العربية من تقدم نسبي في التصنيف الدولي، فإن الذي ينبغي ألا يغيب عنا هو أن هذه النتائج في مستواها العربي لا تعد مفاجأة بأي صورة من الصور.وما نشرته بعض الجهات الجادة من دراسات وبحوث عن قصور عموم الجامعات العربية في أدائها العلمي والبحثي والمجتمعي لا يترك للمتابع مجالا للاستغراب عندما تطالعه آخر التصنيفات العالمية للمؤسسات الجامعية .

إن خلاصة مقاييس الجودة العالمية في المجال الجامعي تتركز في عامل بارز هو إنتاج المعرفة.ذلك أن المؤسسات الجامعية الكبرى التي تخصص ميزانيات هائلة (ميزانية جامعة هارفارد الأميركية مثلا تبلغ 35 مليار دولار سنويا) وتحرز أعلى الرتب العالمية تعتبر من أهم وظائفها إنتاج المعرفة وتخريج نخب قيادية من أصحاب الكفاءة العقلية والنفسية التي تخول لهم التفوق والنجاعة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية .

إن الجامعة هي الركن الأساسي والجوهري في عقل الأمة وضميرها ، فهي البوتقة التي تخرج منها الرؤى والأفكار والأبحاث في فروع المعرفة كافة ، وقد أثبت التاريخ الحديث إن تقدم الأمم مرتبط بالمستوى العلمي لجامعاتها ونحن على يقين إن إصلاح الجامعات إصلاح كامل وشامل يعد من أهم مفاتيح التغيير والإصلاح العام في المجتمع ، لذلك فإن الخطوة الأولى للإصلاح هو تشخيص المشاكل المؤدية إلى أزمة الجامعات والبحث العلمي ، وأهم هذه المشاكل هي المشاكل الإدارية والمشاكل الفنية.

ولا يمكن للدول  العربية التي تفتقر إلى القدرات الإبداعية أن تواجه تحديات العلم وثوراته بمنطق التعليم  التقليدي السائد ،لأن معظم الجامعات العربية تفتقد إلى الكثير من مواصفات الجامعة العصرية وديناميكياتها وأساليبها الحديثة في التعليم والتعلم والإبداع، وتفتقر إلى رؤية قابلة للتطبيق في مجال التعليم والبحث العلمي والاختراع، مع فقدانها روح البحث العلمي، واختفاء المركز البحثي في حياتها،وباختصار شديد لايمكن التفاعل مع العصر الرقمي وتحدياته،وإقامة مجتمع معلومات عربي بدون إيجاد بيئة عربيّة تنشّط البحث العلمي.

لقد ظل تعليمنا تعليم هجين، رغم أن الجميع ظل يطرح ، ومنذ مدة طويلة ، بأن التعليم  في الوطن العربي في حاجة ماسة إلى إصلاح عميق جدا وجذري على مستوى البنيات والمضامين والآفاق . وأنه لا يمكن إصلاح التعليم دون إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .

إن من أهم البديهيات في الإدارة العامة هو إن الأداء الفعال لأي مؤسسة مرتبط بمدى توفر الهيكل الإداري الواضح والمستقر ،وهو ما تفتقر اليه الجامعات العربية حيث إن  اختيار القيادات الجامعية لجميع مستوياتها غالباً ما تعتمد على الولاء للأعلى ، ومن ثم المؤهلات المطلوبة مما يؤثر على ضعف الرؤية الإستراتيجية، وعدم الرغبة في الاجتهاد والتغيير،وهناك السلطة المطلقة للقيادات الجامعية وسيادة المؤثرات الشخصية في اتخاذ القرار ،وانشغال القيادات العلمية بالمسائل الإدارية اليومية مما يؤثر على رؤيتها الشاملة وفلسفتها التعليمية،إضافة إلى انخفاض مستوى دخل عضو هيئة التدريس مما يؤثر سلباً على عطائه العلمي والبحثي .

إن  جامعاتنا العربية تحتاج إلى تعليم المستقبل الذي يعتمد على عدد من المهارات الرئيسية، مثل القدرة على التكيف، والمرونة، والقدرة على التعامل مع التغيير السريع وتوقّعه، والقدرة على نقل الأفكار من مجال الى آخر، والنظر في المسائل في ترابطها، وتشابكها، والقدرة على استشراف التغير والاستعداد له، والتأثير فيه. وبمعنى آخر قدرة هذه الأنظمة التعليمية على أن تصبح العامل الرئيسي في التنمية بالقيام بوظيفة ثلاثية: اقتصادية وعلمية وثقافية.

شاهد القول ، وبصراحة العلم ، بأن الجامعات في الدول العربية أصبحت أشبه بالمصانع القديمة التي بنيت في غير الموقع المناسب لها، والتي زادت إنتاجها الكمي وقل إنتاجها النوعي ، من دون أن يطرأ عليها أي تغيير يذكر. وهذا يحتاج الى نظام تعليمي جديد لها ، للمساهمة في بناء قوة عمل مؤهلة وخلاقة تستطيع ان تتكيف مع التكنولوجيات الجديدة، وأن تشارك في (ثورة الذكاء) التي هي القوة المحركة لإقتصاديات الدول .

إن  صورة المستقبل ، بقدر ماهي زاهية في ثوراتها المعلوماتية ، بقدر ماهي تحمل في داخلها فناءها ، لأن القادم يبدو أعظم وأخطر !

والعرب ، كما يبدو ،هم أكثر العباد في مهب عواصف المستقبل !

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2018/05/28

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد