آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
حمود أبو طالب
عن الكاتب :
كاتب وإعلامي سعودي، عضو مجلس إدارة نادي جازان الأدبي , والمشرف على المنتدى الثقافي، عضو الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان - فرع جازان.

فيلم تركي قصير


حمود أبو طالب ..

بعكس المسلسلات التركية الطويلة الرتيبة كان الفيلم التركي ليل الجمعة مفاجئا خاطفا صاخبا ومثيرا. أعادتنا تركيا فجأة إلى زمن الانقلابات العسكرية في وقت ظننا فيه أنها قد طوت هذه الصفحة نهائيا بعد أن تحولت إلى دولة مؤسسات سياسية مدنية تحتكم إلى قوانين الديموقراطية، أنستنا تركيا تلك الليلة كل أحداث العالم ومشاكله لنسهر مع تفاصيل فيلمها المثير، ولا شيء غيره.

في ٤ يوليو نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالا طويلا لكاتبتها التي عاشت فترة في الشرق الأوسط «صابرينا تافيرنيز» عنوانه (أردوغان يصنع أعداء جددا ويحبط أصدقاءه القدامى) مليئا بالنقد الشديد لأداء الرئيس أردوغان في الفترة الأخيرة وانعكاسه على أوضاع تركيا، ولم يكن ثمة جديد تكشفه الكاتبة في مقالها لم يتم التطرق إليه في مقالات وتقارير صحفية أخرى، لكن المهم ربما هو كون المقال إضافة لمقالات أخرى في الصحف الأمريكية الكبرى خلال فترة قصيرة محورها نقد سياسة أردوغان والهجوم عليه. كلنا على اطلاع بما يقال ويكتب من ملاحظات كثيرة على أردوغان مثل التوجس من تحويل حزبه إلى حزب شمولي وتحويل النظام البرلماني إلى نظام رئاسي قد يكرس بقاءه رئيسا مدى الحياة، وتحويل الدولة العلمانية الى دولة إيديولوجية، وارتفاع حساسيته تجاه النقد ما أدى إلى بعض التضييق على حرية الإعلام، وكذلك طبيعة التعاطي مع الملفات الساخنة في علاقات تركيا الخارجية بعد الأزمات التي طرأت عليها، وطبيعة التعامل مع خطر الإرهاب ومنظماته، وغير ذلك من التفاصيل. كل هذا أصبح قيد النقاش والتعليق، وحتى لو وصلت الأمور فعلا إلى درجة مقلقة أو مزعجة من أداء أردوغان، هل الحل هو تنفيذ انقلاب عسكري ضده؟

هذا هو السؤال الجوهري والنقطة المفصلية، والجواب بكل تأكيد لا. أولا ليس من الموضوعية ولا الأمانة التقليل من حجم ونوع النقلة الفارقة التي أحدثها أردوغان في تركيا خلال توليه الحكم عبر حزبه، أصبحت تركيا ثامن أكبر اقتصاد في أوروبا والرقم ١٧ في الاقتصادات العالمية، وقوة مهمة في موازين القوى الإقليمية. ومهما بلغ الاستياء من أداء أردوغان وحكومته لدى أي طرف سياسي داخل تركيا يجب الاحتكام إلى أدبيات وقوانين واشتراطات الممارسة الديموقراطية التي تبناها الشعب وارتضاها، لأن العودة الى فكر الانقلابات العسكرية تقويض لكل مقومات المنجز الديموقراطي الوطني الحضاري، وخطر ماحق ينسف فكرة الدولة المدنية الحديثة التي تليق بالإنسان. أخطاء الديموقراطية تعالجها الديموقراطية لا الآلة العسكرية مهما كانت مبرراتها، مهمة الجيش حماية الوطن من الأخطار الخارجية، وربما في أضيق الحدود التدخل إذا ثبت أن نظام الحكم أصبح يشكل خطرا على أمن ووحدة واستقرار الوطن. نعم لنا كعرب ملاحظاتنا الخاصة على جوانب في سياسة أردوغان تجاه بعض الأوضاع التي استجدت منذ عام ٢٠١١ ولكن مهما كانت ملاحظاتنا أو مهما بلغ عدم رضانا فإنه ليس مسوغا لارتضاء عودة الانقلابات والعنف وتهديد سلم المجتمع التركي.

المريح أن الأمور إلى وقت كتابة هذه السطور من صباح أمس تشير إلى تعثر الانقلاب نتيجة التعامل الوطني الواعي للشعب التركي والمعارضة مع الحدث بالانحياز إلى الخيار السلمي ورفض الخيار العسكري الانقلابي، وإذا ما استمرت الأمور في هذا الاتجاه وعاد أردوغان نأمل منه الاحتكام إلى القانون في التعامل مع الانقلابيين وعدم الرضوخ لشهوة الانتقام الشخصي أو الزج بالأبرياء أو الانقلاب على القيم الديموقراطية، فالشعب الذي انحاز إليه جدير بأن يكون أكثر قربا منه ووفاء له.

صحيفة عكاظ

أضيف بتاريخ :2016/07/17

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد