آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. سعيد الشهابي
عن الكاتب :
كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

إيران بين ضغوط الواقع وسراب التغيير

 

د. سعيد الشهابي ..

الهواجس السیاسية ليست وحدها التي تشغل بال قادة إيران. بل أن إيديولوجيتهم الدينية تضيف هموما إلى مشاغلهم التي لا تنتهي. وفي الأسبوع الماضي عقد المؤتمر الثلاثون للوحدة الإسلامية في طهران، الذي نظمه مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية. هذه المؤسسة تعتبر نفسها امتدادا لـ «دار التقريب» المصرية التي نشطت في مجال التقريب والوحدة الإسلامية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وشارك فيها علماء دين من كافة البلدان الإسلامية خصوصا مصر وإيران. المؤتمر المذكور يقام سنويا منذ أن أعلن الإمام الخميني اعتبار ذكرى المولد النبوي أسبوعا لترويج مشروع الوحدة الإسلامية. وقد التزمت إيران بهذا المشروع بدون انقطاع، مصرة على رفض مشاريع التفتيت والتمزيق في صفوف أمة المسلمين بخلفيات مذهبية. مؤتمر هذا العام جاء في ذروة تصاعد الأعمال العسكرية في سوريا خصوصا في مدينة حلب، وإخراج المسلحين منها. وقد تعاطى الإيرانيون مع ذلك التطور المهم في الأزمة السورية بحذر شديد ولم يظهروا مشاعر البهجة. بل أن أحدهم قال في لقاء جانبي على هامش المؤتمر: «يجب أن لا نفرح بتفوق هذا الطرف أو ذاك لأن طرفي الصراع من أبناء الأمة»، مبديا امتعاضه من تصاعد الحروب البينية في ما بين المسلمين. مع ذلك فالمؤتمر الذي افتتحه رئيس الجمهورية، الدكتور حسن روحاني، كان حافلا بالخطابات الداعية لوحدة الأمة والتأكيد على أن قضية فلسطين يجب أن تكون المحور الأساسي لهذه الوحدة. الرئيس الإيراني ركز خطابه على ضرورة مكافحة العنف والإرهاب والتطرف، وهي الظواهر التي تعصف بالمنطقة ولا يبدو في الأفق ما يشير إلى بوادر انتهائها السريع. روحاني يعرف جيدا أن بلاده مستهدفة بذلك الإرهاب، وأن أجهزة أمنها تعيش حالة من الاستنفار شبه الدائم لمنع اختراق حدودها من قبل المسلحين ذوي الدوافع المتعددة التي من بينها تجارة المخدرات. فلا يكاد يمر أسبوع إلا وتعلن وزارة الداخلية «تفكيك خلية إرهابية» أو «إلقاء القبض على حفنة من الأشرار» أي مهربي المخدرات. الأمن هاجس كبير لبلد عانى من الأعمال الإرهابية التي أزهقت أرواح كبار قادته في السنوات الأولى بعد الثورة التي أسقطت نظام الشاه في 1979.

 

مؤتمر الوحدة تعتبره طهران حلقة التواصل الأساسية مع العلماء والمفكرين من كافة الطوائف الإسلامية، من أمريكا اللاتينية إلى جنوب شرق آسيا مرورا بأوروبا وأفريقيا وأسيا الوسطى. الخطاب واحد بين الحاضرين: رفض التطرف والتكفير والدعوة للاعتدال والوحدة. ومن يحضر المؤتمر يسأل نفسه: إذا كان هؤلاء جميعا يدعون للوحدة والتماسك ويروجون مشروع التحرير الفلسطيني فمن الذي يروج التطرف ويؤسس للإرهاب ويسعى للتطبيع مع الاحتلال؟ من الذي حول «الربيع العربي» إلى جحيم أدى إلى قتل أكثر من نصف مليون إنسان ما بين العراق وسوريا وليبيا واليمن؟ ومن الذي دفع القضية الفلسطينية بعيدا عن الوجدان الشعبي العربي والإسلامي ومنح حكومة نتنياهو فرصة غير متوقعة لتوسيع بناء المستوطنات واستعادة العلاقة الحميمة مع أمريكا خصوصا بعد فوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة؟

 

الإيرانيون حذرون من إظهار حالة البهجة والسرور إزاء ما يجري على جبهات القتال والصراع. ولكنهم لم يخفوا ارتياحهم لحركة شعوب المنطقة من أجل الحرية والديمقراطية. ومنذ العام 2011 حيث الانتفاضات العربية المتميزة، سعت إيران لإضفاء السمة الإسلامية عليها، فأصبحت تعقد مؤتمرا سنويا بعنوان «الصحوة الإسلامية». وفي الأسبوع الماضي عقدت جلسة خاصة على هامش مؤتمر الوحدة لمناقشة هذا «الصحوة»، وأصدرت بيانا واسعا حول أوضاع المنطقة.

 

الأمر الذي لا يمكن التشكيك فيه أن فلسطين هي القضية الجوهرية في السياسة الخارجية الإيرانية. فلا يعقد مؤتمر في إيران، تحت أي مسمى، إلا ويتطرق لتلك القضية ويدعو المسلمين للالتفاف حولها. وبرغم ما يقوله البعض، فأن هذا الموقف ليس تكتيكا، بل إستراتيجية ثابتة منذ قيام الثورة التي مر عليها 38 عاما تقريبا. وهذا ما أكد عليه مؤتمر الوحدة الأخير. فبالإضافة لما جاء في الجلسات العامة خصوصا خطابي المرشد آية الله، خامنئي والرئيس الدكتور حسن روحاني، تكرر التطرق للقضية في خطابات المتحدثين الذين جاؤوا من أكثر من 60 دولة، وكذلك في البيان الختامي.

 

هذه الهموم الخارجية توازيها هموم داخلية عديدة. ومن الظواهر التي يلحظها الزائر اللغط الدائر في الأوسط التجارية حول الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد الإيراني، ويعزو الكثيرون ذلك إلى تباطؤ الدول الغربية في تفعيل بنود الاتفاق النووي، خصوصا في المجال المصرفي. فما يزال الإيرانيون غير قادرين على استخدام التسهيلات المصرفية الدولية. وبرغم صعود معدل إنتاج النفط ما تزال إيران تعاني من شحة في العملة الصعبة. أدى ذلك لتباطؤ النمو الاقتصادي وتراجع التوسع العمراني وانخفاض العملة. هذا أمر يقلق الرئيس روحاني وإدارته المحسوبين على «التيار الإصلاحي» خصوصا أن الانتخابات البرلمانية ستجرى في غضون ستة شهور. وكان الإيرانيون يتوقعون انفراجا اقتصاديا واسعا بعد توقيع الاتفاق النووي. ولكن ثمة شعورا عاما بالإحباط خصوصا بعد فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية. ومع أن القادة الإيرانيين لم يظهروا موقفا واضحا إلا أن هناك خشية من تصاعد الضغوط الإسرائيلية على الولايات المتحدة لاستخدام الكوابح لتخفيف سرعة الاندفاع باتجاه إيران. مع ذلك يعتقد قادة الجمهورية الإسلامية أن موقفهم الواضح ضد التطرف والإرهاب يتناغم مع المزاج العام الغربي، وأن من شأن ذلك تخفيف الضغوط عليها.

 

إيران تعيش تلك الهواجس جميعا، وتسعى لتحقيق توازن بين الهموم الداخلية والعلاقات الخارجية. وربما يخفف من هذه الهموم استقرار علاقاتها بالجيران، خصوصا تركيا التي تطورت العلاقات معها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة قبل بضعة شهور، وتقدر أنقرة لطهران موقفها الرافض للانقلاب منذ ساعاته الأولى، والتواصل بين قادة البلدين في تلك الليلة. وثمة من يطرح ضرورة التوصل إلى تفاهم عام مع تركيا حول أوضاع المنطقة خصوصا سوريا وفلسطين والعراق، وتوسيع ذلك التفاهم ليشمل باكستان أيضا. الإيرانيون أصبحوا أكثر إدراكا للعبة الدولية وما يعتبرونه «مؤامرات غربية متواصلة» لإبقاء بلاد المسلمين خصوصا الشرق الأوسط في حالة اضطراب سياسي وأمني لا ينتهي. ولا تخفي طهران امتعاضها من السياسات الغربية، خصوصا البريطانية التي تعتبرها مسؤولة عن مأساة فلسطين ماضيا، وحالة التوتر العرقي والمذهبي حاضرا. ومن المفارقات أنه في الوقت الذي يتبادل الطرفان الحملات الإعلامية المتشنجة فأنهما يعملان في الخفاء لتطوير علاقاتهما. أيا كان الأمر فأن إيران تسعى لمواصلة سياساتها التي أعلنتها بعد الثورة، وتصر على ترويج مواقفها إزاء القضايا الأساسية للأمة ومنها قضية فلسطين، والتصدي للتطرف والإرهاب، وترويج إيديولوجيتها الإسلامية ودعوتها لإعادة إحياء الحضارة الإسلامية. بين الطموح والواقع يواصل قادة إيران جهودهم في ظروف إقليمية ودولية تزداد تعقيدا، ويأملون أن تؤدي يقظة الشعوب لإنهاض الأمة وتحرر شعوبها وهزيمة الاحتلال وإنهاء الاستبداد.

 

جريدة القدس العربي

أضيف بتاريخ :2016/12/19

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد