آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. وفيق إبراهيم
عن الكاتب :
باحث استراتيجي متخصص في شؤون الشرق الأوسط

معارك «الحُدَيْدة» لم تنتهِ.. لماذا؟


 د. وفيق ابراهيم

أنجز أنصار الله نصراً كبيراً عند الساحل الغربي لليمن.. أوقفوا فيه جحافل التحالف السعودي ـ الإماراتي المدعوم أميركياً وأوروبياً مع مشاركات من مرتزقة ينتمون إلى عشرات البلدان، وإسهامات عسكرية واضحة من الطرفين الإسرائيلي ـ المصري.

هي حربٌ عالمية على اليمن الباسل، تتواصل منذ سنوات ثلاث وسط صمت عالمي يجنحُ لتأييد المعتدي السعودي لأسباب اقتصادية وجيو ـ بوليتيكة، حتى أنّ مجلس الأمن الدولي يؤيد بنسب متفاوتة الحرب على الحوثيين وأنصارهم.

هذا التماهي الغريب والمستنكر للموقفين الروسي والصيني المؤيّدين للسعودية، وذلك للاعتبارات الاقتصادية نفسها. وربّما لعدم إغضاب «الأميركي» في واحدة من أهم مناطقه الجيو ـ استراتيجية في العالم.. مع الابتعاد عن استفزاز السعودية «مالكة أسواق النفط وأسعاره»..

..العالم إذاً في اليمن مع القاتل.. ولا ينتقده إلا بالهمس ويدعوه إلى «التعقل».

فهل أسهم النصر اليمني الكبير في السواحل الغربية من منطقة الحُدَيْدة إلى كبح الاجتياح السعودي ـ الإماراتي لليمن عموماً والحُدَيْدة على وجه الخصوص.

في المنطلقات، لا بدّ من استبعاد فرضية التراجع السعودي ـ الإماراتي عن احتلال أقسام من جنوب اليمن وتواجهه الأخرى في الشرق والغرب. فهذه حرب سعودية ـ إماراتية شكلاً وأميركية في المضمون، وكما بدأت بإيعاز أميركي، فلن تنتهي إلا بالإيحاء نفسه.. وهذا لن يحدث لأسباب متعدّدة، يقع معظمها في خانة الأهمية العالمية لليمن في الجيوبولتيك الاستعماري الأميركي، والاهتمامات السياسية السعودية في جزيرة العرب والإقليم.

لذلك فإن الحرب على الساحل الغربي توقّفت، لكنها لم تنتهِ.. توقّفت لأن المهاجمين تلقوا موضعياً هزيمة قاسية ردّ عثّهم عن الحُدَيْدة.. ولن تنتهي لأن خطوط المهزومين مفتوحة على السعودية وشبه الجزيرة والسواحل الغربية للبحر الأحمر في ارتريا وجيبوتي اللتين تزخران بعشرات القواعد الإسرائيلية والأميركية والبريطانية والفرنسية.. والإماراتية.. فضلاً عن بوارج هذه الدول التي تطوّق اليمن من سواحل الحُدَيْدة حتى بحر عدن وتقطع حتى الهواء، أما لجهة إصرار التحالف الخليجي ـ الغربي على احتلال الحُدَيْدة، فمرتبطٌ بعنصرين من أدوات التحليل الأميركي: الأول يعتقد أنّ ميناء الحُدَيْدة هو المنفذ البحري الوحيد الذي يتلقى منه اليمن الغذاء والدواء، ويضيفون أنه مرفأ لتهريب السلاح إلى الحوثيين.. فيما يذهب العنصر الثاني إلى أنّ احتلال الحُدَيْدة، يجعل من باب المندب ورقة أميركية كاملة، وقابلة للمساومة مع الأطراف الدولية المستفيدة من هذا المعبر البحري الاستراتيجي.

الواضح إذاً أنّ معركة الحُدَيْدة أسلوب جديد في تعميم المجاعة في اليمن، لتأليب أهله على أنصار الله.. وإعادته إلى الحظيرة السعودية ـ الأميركية.. أما السبب الآخر المتعلّق بباب المندب، فهو من الشعارات المحببة للأميركيين لتبرير سطوهم على المنطقة، باعتبار أنّ نحو عشرين في المئة من تجاره العالم تمّر جيئة وذهاباً من باب المندب، والثابت أيضاً أنّ رصاصة «حوثية» واحدة، لم تُستعمل ضد أي هدف بحري لا في الحُدَيْدة ولا في غيرها منذ بدء العدوان السعودي على اليمن قبل ثلاث سنوات. لكن أنصار الله هاجموا هدفاً بحرياً غربياً أبان الحملة السعودية الحالية على الحُدَيْدة.. كان يشاركُ في الحملة على السواحل الغربية.

ضمن هذه المعطيات، يجب التركيز على أنّ سواحل اليمن على البحر الأحمر هي منطقة التقاء بين المحيط الهندي عند جزيرة سقطرى وبحر الخليج من خلال شواطئ عدن، وقناة السويس من خلاب باب المندب.. مع ما يعنيه هذا الأمر من ربط بالبحر الأبيض المتوسط المتشاطئ مع قارات ثلاث: آسيا، أفريقيا وأوروبا.

يمكن من خلال هذه الأهميات تحديد المستفيد الأساسي من الموقع الاستراتيجي لليمن.. وهم الأميركيون أولاً بخلفية كونهم قوة أساسية أحادية في العالم، يشكل تنظيم مرور أكثر من عشرين في المئة من التجارة العالمية من خلال باب المندب أولية أساسية بالنسبة إليهم.. مع ما يعنيه هذا الأمر من مصالحهم التجارية المباشرة التي تسطو على معظم موازنات بلدان الخليج.. ويعني أيضاً أمن حلفائهم الأوروبيين الذين يمتهنون استعمال الممر لتجاراتهم اليومية.. وكذلك الهند والصين وروسيا.. وهذا يؤكد استراتيجية بحار اليمن نحو المحيط الهندي والخليج والبحر الأحمر، ويكشف الإصرار الأميركي على الأطباق الخانق على هذه المنطقة، ومنع إيران من منافسة النفوذ الأميركي المتسلط على العالم الإسلامي من خلال تحالفات مع الحوثيين وأنصار الله، على قاعدة الدولة اليمنية القادرة والمعبّرة عن مصالح أهلها.

مصر بدورها، مستفيدٌ أساسي من باب المندب. لأن إغلاقه يعني فوراً إقفال قناة السويس في الاتجاهين، هذا من دون نسيان «إسرائيل» التي تنتفع نسبياً من باب المندب، وتبقي عليه في إطار البدائل.. أو إذا أرادت الانتقال إلى سواحل أفريقيا على البحر الأحمر أو نحو أصدقائها الجدد في السعودية والإمارات وقطر والبحرين. يقود هذا التحليل «المنطقي» إلى التساؤل عن مدى استفادة السعودية من الحرب إلى «الحُدَيْدة». ولماذا تخوض حرباً لا تنتفع منها إلا بحدود علاقتها بكامل عدوانها على اليمن وليس من أجل باب المندب.. فالسعودية لديها شاطئ على الخليج، وسواحل كبيرة على البحر الأحمر فوق الحدود البحرية لليمن، أي أنّ بوسعها أنّ لا تمرّ من باب المندب، بل تستعمل سواحلها على البحر الأحمر لنقل ما تريده إلى جزر صنافير وتيران مقابل سيناء فتذهب إما إلى «إسرائيل»، أو إلى قناة السويس.. كما تستطيع أنّ تخدم حليفتها الإمارات بالوضع نفسه.

لكن للرياض اهتمامات تتعلّق بضرورة إسقاط النظام الحوثي في اليمن، لأنه يجسد فكرة الدولة المستقلة القوية والحريصة على مصالح اليمنيين. وهذا ما تحاربه السعودية في اليمن منذ ستة عقود على الأقل.

تدفع هذه المعلومات إلى التأكيد، على البُعد الأميركي لاجتياح اليمن من قبل تحالف يتسربل بلبوس سعودي ـ إماراتي ليُخفي الإصرار الأميركي على إسقاط الحوثيين، لما يشكلونه من خطر على النفوذ الأميركي والإسرائيلي.. والدليل هنا موجود في تقرير إسرائيلي حديث قال فيه علناً إنّ اليمن الحوثي معادٍ لدولة «إسرائيل» ويشكّل جزءاً من حلف المقاومة، فيما تجسّد الدول العربية المهاجمة، مشروع حلف خليجي ـ إسرائيلي فيوجّه إيران.. واليمن. ويدعو هذا التقرير الذي نشره التلفزيون الإسرائيلي، إلى مساعدة عسكرية أقوى للسعودية في اليمن.

هذه الحرب إذاً لها أولية أميركية تستبطن مصلحة إسرائيلية.. أما ما تبقى من اهتمامات خليجية فترد في الموقع الأخير خلف أوروبا، وروسيا والهند.. والصين. ألا يفسّر هذا التحليل صمت مجلس الأمن عن مجازر السعودية والإمارات في اليمن. وتواطؤ روسيا والصين باللجوء إلى لغة خشبية تختبئ خلف ما تسمّيه بشرعية هادي عبد ربه روسياً وضرورات تسويق السلعة صينياً؟

تدفع هذه الاعتبارات إلى الجزم بأن انتهاء مهمة الوسيط الدولي غريفيث، هي بمثابة موعد دقيق مع هجمات جديدة للحلف الخليجي الأميركي ـ الإسرائيلي ـ الأوروبي على الحُدَيْدة وسط لا مبالاة روسية وصينية.

فعلى المستوى السياسي هناك حاجة أميركية إلى إسقاط الدولة اليمنية، واقتصادياً هناك قدرة خليجية على التمويل الدائم.. وبالإمكان ضخّ كميات جديدة من المرتزقة.. لكن الأخطر هو اتجاه «إسرائيل» إلى دعم جوي وبحري كبير، قد نجد فيه أيضاً قوات مصرية.

هذا لا يعني إمكانية سقوط الحُدَيْدة، لكنها محاولات لاستنزاف مقدرات بلد يمني محاصر في الشمال.. لكن المراهنة تبقى كبيرة على هؤلاء اليمنيين المقاومين الذين لن يتركهم حلف المقاومة الساعي إلى تدبّر آليات دعم حقيقية، تطرد التحالف من اليمن إلى الأبد.

جريدة البناء اللبنانية

أضيف بتاريخ :2018/07/04

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد