آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. سعيد الشهابي
عن الكاتب :
كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

في الذكرى العاشرة لثورات الربيع العربي 

 

د. سعيد الشهابي

وصفوه بأنه «مهمة لم تكتمل» و»التركة الثقيلة» و«صرخة الغضب العربي»، ولكن أحدا لم يتحدث عن «وفاة الربيع العربي» الذي تمر هذه الأيام ذكراه العاشرة. ولأنه كان ظاهرة عمت العالم العربي من أقصى شرقه في سلطنة عمان إلى أقصى غربه في المغرب، ومن أقصى شماله في سوريا الى أقصى جنوبه في اليمن، فإن ذكراه العاشرة ليست محددة بيوم واحد لأن فترته استمرت بضعة شهور.
ومن الصعب تحديد نتائجه برغم الوهلة الأولى التي تشير الى عدم وصول ثورات العام 2011 الى إسقاط ظاهرة الاستبداد. ولذلك، وبرغم تراجع الظاهرة الثورية في أغلب بلدان العالم العربي، فثمة شعور عميق لدى الكثيرين بأن الفصل الأول من تلك الثورات ربما انتهى، ولكنه متصل بفصوله اللاحقة التي هي جزء من قصة الصراع  من اجل الحرية في القرن الحادي والعشرين. إنها قصة بدأت فصولها قبل قرن كامل عندما دخل المستعمر بلدان هذا العالم، وأسقط ما بقي من الدولة العثمانية، وأنشأ الدولة القُطرية لتكون بديلا لمفاهيم «الأمة» و «الوحدة» و «الخلافة» و «الدولة الاسلامية». صحيح ان الثورات العربية لم تنطلق على أسس دينية بحتة، بل كانت تعبيرا عن تفجر المشاعر الإنسانية الفطرية لدى جيل غاضب عبّر عنه الشاب التونسي محمد بوعزيزي بإحراق نفسه بمدينة «سيدي بوزيد» التونسية ليفجر بذلك أضخم حراك شعبي لم تشهد مثله منذ أكثر من نصف قرن. فقد كانت الشعوب العربية تعبر عن وجودها بحضورها الميداني المتواصل، تارة للاحتجاج ضد العدوان الثلاثي على مصر (1956) وأخرى دعما لثورة الجزائر (1954-1962) وثالثة للتعبير عن دعم فلسطين (1967) ورابعة لتودع جمال عبد الناصر، الزعيم القومي الذي كان آخر الزعماء الملهِمين برغم أخطائه السياسية (1970). وقد تغير العالم العربي بشكل جذري بعد الطفرة النفطية في منتصف السبعينات التي أعقبت حرب اكتوبر 1973، ودخلت حقبة هيمنة الدولار النفطي على شؤون الأمة. وبرغم تفاعل الشعوب العربية مع الثورة الاسلامية في ايران في مثل هذه الايام قبل 42 عاما، وسعيها للنهضة ضمن «ربيع عربي صغير» في الثمانينات، الا أنها قوبلت بقمع شديد تواصل قرابة العقود الثلاثة.
بعد عشرة أعوام على انطلاق ثورات الربيع العربي، ما يزال الجدل قائما بشأنها لسبب واحد: أنها لم تحقق انتصارا كاملا. وهنا ارتكب الغرب خطأ تاريخيا بتخليه عن أهم دعامتين لمشروعه السياسي: الديمقراطية وحقوق الإنسان. فلم يكتف بالتفرج على مشاهد القمع الشرس للاحتجاجات التي عمت العالم العربي على مدى بضعة شهور، بل كان شريكا في ذلك القمع بأساليبه السرية والظاهرية. هذا الخطأ ستكون له تبعات أخلاقية وسياسية، خصوصا مع إصرار المراقبين الغربيين على أن الأسباب التي أدت لما جرى في ربيع العام 2011 قائمة، وربما توسع. إن كسر إرادة الشعوب بالقهر والقمع والاضطهاد لا يحقق الأمن، ولا يلغي دوافع التحرك من أجل التغيير على مستوى الفرد او الجماعة. لقد حدث اختلال كبير في ميزان التوازن السياسي في المنطقة لغير صالح مسوغات الامن والاستقرار. ومن مظاهر ذلك ما يلي:
أولا: تصاعد ظاهرة القمع السلطوي في أغلب البلدان التي شهدت ثورات ميدانية في ربيع 2011. وتمثل مصر ذروة ذلك القمع، فهو يحدث على أيدي العسكر الذين انقلبوا على خيار الشعب، وأسقطوا الرئيس المنتخب، ومارسوا أصناف التنكيل غير المسبوق. فسجونها تكتظ بأكثر من 50 الف معتقل سياسي، ومقاصل الإعدام لا تتوقف عن إزهاق أرواح الآدميين، وآلة التعذيب لم تتوقف قط، وأوضاع السجون تزداد سوءا. فقد توفي حتى الآن 16 معتقلا سياسيا نتيجة سوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية والدواء. وكانت وفاة الرئيس المنتخب محمد مرسي عام 2019 الذي أسقطه العسكر بزعامة عبد الفتاح السيسي في زنزانته لحظة تاريخية لن تمحى من الذاكرة، وتبعه آخرون من بينهم نجله الشاب عبد الله الذي كان عمره 26 عاما عند وفاته في السجن بعد أقل من أربعة شهور من والده. ولا يقل الوضع في البحرين سوءا، فسجونها تكتظ بأكثر من الفي معتقل سياسي صدرت بحقهم عشرات التقارير الدولية التي تؤكد استمرار الممارسات الحاطة بالكرامة الإنسانية بحقهم، وكانت لجنة خاصة لتقصي الحقائق بتمويل من النظام قد أكدت وجود ما أسمته سياسة «التعذيب الممنهج». ولا تقل معاملة السجناء السياسيين في سوريا سوءا.

ثانيا: حدوث تغير جوهري في توازن القوى بالعالم العربي. فقد استطاع تحالف قوى الثورة المضادة الذي يضم كلا من السعودية والإمارات ومصر والبحرين بالاضافة للكيان الإسرائيلي، فرض نفسه قيادة للعالم العربي، بينما تم تهميش البلدان الكبرى مثل مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن. وأُشغِلت هذه الدول بمشاكل داخلية أدت لتصدع جبهاتها الداخلية. فالعراق لم يتعاف بعدُ من ظواهر الإرهاب والعنف والفساد، وسوريا ما تزال تعاني من ظواهر العنف والإرهاب ووجود القوات الاجنبية ومنها القوات الأمريكية. أما مصر فقد تم تقزيمها تماما في ظل حكم العسكر بزعامة عبد الفتاح السيسي الذي قاد انقلابا عسكريا على الرئيس المنتخب محمد مرسي في العام 2013. بدأ نفوذ تحالف قوى الثورة المضادة في منتصف مارس 2011 عندما اجتاحت القوات السعودية والإماراتية البحرين لمواجهة ثورة شعبها ومنع سقط حكومتها. وتبع ذلك هدم 40 مسجدا بعد تدمير نصب «دوار اللؤلؤة» الذي كان منطلقا للثورة. اليوم تمارس السعودية والإمارات أدوارا تفوق حجمهما الطبيعي. فقد شجعهما الصمت الدولي على اجتياحهما البحرين لشن حرب على اليمن في مارس 2015 ما تزال رحاها تدور بعد قرابة ستة أعوام. ويواجه اليمن أوضاعا كارثية وصفتها منظمة الصحة العالمية بأنها «أكبر كارثة انسانية معاصرة». ووسعت الإمارات نفوذها فاحتلت جزيرة سوقطري اليمنية وميناء عدن وتدعم الحراك الجنوبي لفصل جنوب اليمن عن شماله. ووسعت نفوذها في منطقة البحر الأحمر بعد أن وقعت اتفاقات مع حكوماتها لتسيطر على موانئ من بينها عصب وجيبوتي وأسمرة، والهدف من ذلك السيطرة على مضيق باب المندب. هذا الدور لا يتناسب مع الحجم الطبيعي لبلد لا يتجاوز سكانه الأصليون المليون، ولا يمتلك من مقومات القوة سوى الدولار النفطي. هذا «الصعود» المفاجئ للإمارات أحدث ردات فعل لدى حكومات عربية عديدة، اتهمتها بالتدخل في شؤونها الداخلية بتقديم الدعم المالي لبعض أطراف النزاع في بعض البلدان، فهل يعقل أن تتحكم الإمارات في مستقبل ليبيا مثلا أو الصومال؟ أو السودان؟ وفي الوقت نفسها تعاني السعودية والإمارات من تصاعد المعارضة الداخلية التي واجهتها بالقمع والتنكيل حسب ما أعلنته منظمات حقوقية دولية عديدة.
ثالثها: إن تنامي ظاهرة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي مرتبط بمقولة «رد الجميل». فقد تصدرت الإمارات والسعودية والبحرين مشروع التطبيع مع كيان يحتل أرض فلسطين، وهمّشت بذلك كافة مشاريع المقاطعة والمقاومة ورفض الاحتلال، ويوما بعد آخر تتجه هذه الدول لـ «تجريم» مجموعات المقاومة بعد ان هرعت لتفعيل التطبيع. فبرغم إقامة مصر والأردن علاقات مع الكيان الإسرائيلي منذ عقود، إلا أن تلك العلاقات بقيت شكلية ولم تؤد لتطبيع العلاقات على مستوى السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة. أما في الحالة الخليجية فهناك هرولة لتوسيع دوائر التطبيع.
رابعها: إن تمكين الأنظمة القمعية من ضرب الثورات بالشراسة التي حدثت كشفت الخواء الإيديولوجي والأخلاقي لدى مروّجي المشروع الغربي. وساهم وصول ترامب للرئاسة الأمريكية في تهميش القيم الإنسانية كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير وإقامة حكم القانون والمواطنة المتساوية. ولن يستطيع الغربيون إقناع العالم بصلاح مشروعهم السياسي والإيديولوجي بهذه السياسات.
الذكرى العاشرة لثورات الربيع العربي مناسبة لإعادة فتحت ملفاتها بموضوعية، على أمل أن يكون انطلاق المرحلة الثانية من يقظة الشعوب العربية أكثر نجاحا وأقل إيلاما، فذلك ما تتطلع شعوب الأمة لحدوثه في المستقبل القريب الذي أصبح أمرا محتوما، بعد أن تأجل عقدا كاملا. والأمل أن لا تسمح الشعوب مرة أخرى لقوى الثورة المضادة بتمزيق صفوف جماهيرها بسياسات التطرف والعنف والإرهاب والطائفية، التي كانت من أمضى الأسلحة لضرب الموسم الأول من الربيع العربي.
جريدة القدس العربي

أضيف بتاريخ :2021/02/01

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد