آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
عبد الباري عطوان
عن الكاتب :
كاتب وصحفي سياسي فلسطيني رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم

كيف أسقط الهُجوم الإيراني على ناقلة إسرائيليّة في بحر عُمان مقولة “الرّد في الزّمان والمكان المُناسب”؟


عبد الباري عطوان

إذا صحّت الاتّهامات التي وجّهها نفتالي بينت رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى إيران وتقول إنّها هي التي نفّذت الهُجوم بطائرات مُسيّرة على ناقلةٍ إسرائيليّة في بحر العرب قُبالة السّواحل العُمانيّة، فإنّ هذا يعني أنّ إيران فرضت مُعادلة ردع جديدة، تقول مُفرداتها “تضربوننا في سورية.. نَضرِبكم، وسُفنكم في البِحار المَفتوحة وقد أعذَر من أنذَر”.
ما يُؤكِّد هذه المُعادلة، وقواعد الاشتِباك المُرتَكزة عليها، تسريب “مُتَعمَّد” و”مدروس” من قِبَل الحرس الثوري الإيراني، الذي تُجمِع الآراء الإسرائيليّة والأمريكيّة أنّه يَقِف خلف هذا الهُجوم ومُهندسه لمحطّة تلفزيون “العالم” الرسميّة الإيرانيّة، يقول إنّ الهُجوم جاء ردًّا على غارةٍ إسرائيليّة صاروخيّة على مطار “الضبعة” في سورية، أدّى إلى استِشهاد أحد أعضاء الحرس الثوري الإيراني، وجَرح أربعة من مُقاتلتي “حزب الله” إصابة اثنين منهم خطيرة جدًّا.
مصادر لبنانيّة مُقرَّبة من الحرس الثوري أكّدت لـ”رأي اليوم” أنّ ما دفع ايران للرّد، وبسُرعة، على هذا القصف للمطار المذكور، خُروج إسرائيل عن المألوف، من حيث ضربها لمهاجع الجُنود، وليس مخازن الأسلحة، أو مدارج الطّائرات مثلما جرت العادة.

***

هذا الإعلان “غير المَسبوق” للرَّد الانتِقامي الإيراني، وحسب المصادر نفسها، يُؤشِّر على استراتيجيّة إيرانيّة جديدة تقوم على أرضيّة اتّخاذها زمام المُبادرة والرَّد السّريع، فالهُجوم على النّاقلة الإسرائيليّة كان على دُفعَتين، الأولى قصف النّاقلة بصَواريخ تَحمِلها طائرة مُسيّرة عاديّة، وعندما كانت الخسائر طفيفة، جرى إرسال مُسيّرة انتحاريّة أكبر ضربت مهاجع طاقم السّفينة، بهدف إحداث خسائر بشريّة، وهذا ما حدث فِعلًا عندما قُتِل اثنان من الطّاقم أحدهما بريطاني والثّاني روماني سيَدخُلان التّاريخ بأنّهما أوّل قتيلين في “حرب السّفن” المُتأجِّجَة.
وزير الخارجيّة الإسرائيلي يائير لبيد تَوعَّد بِرَدٍّ إسرائيليّ قاسٍ انتقامًا لهذا الهًجوم، ووسائل إعلام إسرائيليّة أكّدت أنّ هذا الرّد بات جاهزًا وينتظر ساعة الصّفر لتنفيذه ضدّ أهداف إيرانيّة “مرصودة” في عين رادار سِلاح الجو الإسرائيلي، ولكن إذا كان الحال كذلك، ولدينا بعض الشُّكوك، لماذا تذهب إسرائيل شاكيةً باكيةً إلى مجلس الأمن الدّولي؟ وهي تعلم جيّدًا أنّ الفيتو الصيني الروسي المُزدَوج في انتِظارها هُناك؟
إسرائيل ستكون خاسرةً في الحاليين، خسارة إذا ابتعلت هذه الإهانة ولم تَرُد، وفي هذه الحالة تكون استَسلمت للهزيمة في هذه المعركة، وخاسرةً أيضًا إذا ردّت، لأنّها تكون بهذا الرّد، قد وقعت في المِصيَدة الإيرانيّة، وفتحت على نفسها أبواب “نار جهنّم” لأنّ الرّدود الإيرانيّة جاهِزةٌ فِعلًا، ومرحلة الرَّد في الزّمان والمَكان المُناسِب انتَهت.
الأسطول التّجاري الإسرائيلي ضخمٌ جدًّا بالمُقارنة مع نظيره الإيراني المُتواضع، فأكثر من 90 بالمئة من واردات إسرائيل يَمُر عبر الخُطوط الملاحيّة البحريّة وخاصَّةً في بحر العرب والمُحيط الهندي، والبحر الأحمر وهذه كلّها تقع في مرمى الصّواريخ والمُسيّرات الإيرانيّة، وعلى عكس إيران التي لا تُصَدِّر إلا كميّات محدودة من النّفط، ولا تَستورِد إلا القليل بسبب اعتِمادها الذّاتي وتصنيع مُعظم احتِياجاتها أوّلًا، والحِصار الأمريكي الأوروبي المَفروض عليها ثانيًا، ولهذا فإنّ جميع السّفن الإسرائيليّة ستُشَكِّل بنك أهداف دَسِمًا ومُغْرِيًا للمُسيّرات والصّواريخ الإيرانيّة حسب تقديرات أحد الخُبراء في المِلاحة البحريّة في منطقة الشرق الأوسط اتّصلت به “رأي اليوم”.
هذا الهُجوم على النّاقلة “ميرسر ستريت” المملوكة لشركة المِلياردير الإسرائيلي إيال عوفر، يَكشِف لأوّل مرّة أنّ الحرس الثوري الإيراني الذي قصف قاعدة عين الأسد غرب العِراق انتقامًا لمقتل الحاجّين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بات يأخُذ زِمام المُبادرة بنفسه، وينقل المعركة إلى البِحار المفتوحة، وربّما إلى العُمُق الإسرائيلي أيضًا، ولم يَعُد يعتمد على أذرعه العسكريّة الحليفة مِثل أنصار الله في اليمن، و”حزب الله” في لبنان، والحشد الشّعبي في العِراق، وحماس والجِهاد الإسلامي في غزة.
رسالة قويّة واضحة المعالم بعَثها هذا الحرس إلى إسرائيل أثناء حرب غزّة الأخيرة تمثّلت في إرسال مُسيّرة مداها 2000 كيلومتر، مرّت في أجواء القِطاع، وجرى تصويرها، ويقول مضمونها إنّ إيران، بامتِلاكها هذه الطّائرات المُتَطوِّرة جدًّا، قادرةٌ على ضرب أهداف في مينائيّ حيفا وأسدود على ساحل المتوسّط.

تَوَلِّي الفرقاطات الحربيّة الأمريكيّة مَهمّة الحِماية للنّاقلات والسّفن التجاريّة الإسرائيليّة في بحر العرب والمُحيط الهندي ستكون عمليّة مُكلِفَة جدًّا، ماليًّا وعسكريًّا، للطّرفين الأمريكي والإسرائيلي معًا، لأنّ هذه الحِماية قد تكون محدودة الفاعليّة، وعلينا أن نتَذكَّر أنّها ستُضاعِف أثمان بوليصات التّأمين لكُلّ السُّفن الإسرائيليّة في العالم بأسرِه.

***

حرب السُّفن تزداد سُخونةً وباتت أكثر خُطورةً، وتُصَعِّد حدّة التّوتّر في منطقة بحر العرب وباب المندب والخليج، ولعَلّ اعتِراف سلطنة عُمان للمَرّة الأُولى باشتِعال فتيلها، والإعلان عن إرسالها سفينة إلى مكانِ الهُجوم، والتّأكيد أنّه وقع خارج مياهها الإقليميّة، أحد المُؤشِّرات الأوّليّة التي يُمكِن رصدها في هذا المِضمار، ولا بُدَّ أنّ هُناك مُعطيات كثيرة ما زالت طيّ الكِتمان.
ما نُريد الوصول إليه في خِتام هذه المقالة أنّ إسرائيل تلقّت صفعتين قويّتين ردًّا على عُدوانها المُتَكَرِّر على أهدافٍ إيرانيّة وسوريّة وثالثة تابعة لحزب الله، الأُولى عندما زوّدت روسيا الجيش العربي السوري منظومات صاروخيّة قادرة على إسقاط جميع الصّواريخ الإسرائيليٍة المُعتَدية، وتبيّن هذا بوضوح في الغارة الأخيرة في ريف حمص، والثّانية الهُجوم الإيراني على سفينتها قُبالة السّواحل العُمانيّة الذي أكّد أنّ غاراتها على العُمُق السوري لن تَمُر دُون رَدٍّ مُؤلِم جدًّا، سواءً في العُمُق الإسرائيلي أو البحار المفتوحة، ولهذا فالقادم أعظم.. والأيّام بيننا.

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2021/08/02

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد