آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
علي الدربولي
عن الكاتب :
كاتب سوري

صوت النفير ينطلق من فلسطين على طريق نداء “حي على الجهاد”؟


علي الدربولي

عجبت للمعتدي كيف يموت دون ما اغتصب من حق، بينما يفضّل صاحب الحق ذلّ الحياة على كبرياء الموت في سبيل حقه؟!

كثير من بلدان العالم تعرضت شعوبها للظلم والعدوان وكثير من شعوب العالم نهضت من تحت عسف سيف الظلم والعدوان، ولم تكن المقاومة المسلحة شرطا لنيل الحرية، مثال ذلك حركة المهاتما “غاندي” السلمية على طريق تحرير الهند من الاستعمار البريطاني… ولكن لا يمكن القول، بنفس الوقت، بأن هنالك شعبا عانى في العصر الحديث كما عانى الشعب الفلسطيني، ليس من حيث مضاهاة مظلوميته بمظلومية الآخرين فحسب، بل من حيث تحول قضيته العادلة إلى مركز استقطاب القوى الدولية، والإقليمية، ليس لإنصاف هذا الشعب، بل لتنظيم معاناته، وتأطير آلامه، طبق منظومة دولية، لا تعرف الرحمة؟!

علمتنا التجارب التي مرت فيها القضية الفلسطينية أن كل أمر صعب كانت تمر به على يد الإسرائيليين، كان يباعد بين الفلسطيني وحلمه بالعودة، لأن تداعيات التدخل الدولي، الذي كان في الأصل خلف إنشاء دولة (إسرائيل)، ما كان يعقب ذلك، كالعادة، استمر يصب في قناة مصالح العدو الإسرائيلي المحتل لأرض فلسطين. فمنذ عام 1948م، عام إنشاء الدولة المغتصبة، كان كل قرار يلامس شيئا من عدالة المطالب الفلسطينية، وعلى رأسها حق العودة المعترف به دوليا، يجد من يفرغه من محتواه، فيتحول إلى ذكرى لآلام الشعب الفلسطيني في أدراج الأمم المتحدة ؟!

جاء اتفاق “أوسلو” كآخر بنية سياسية-نفسية أطاحت بالوعي القومي في المنطقة العربية عموما، ليصنع ملامح شكل إقصاء العرب القوميين عن دائرة اعتبار القضية الفلسطينية قضية قومية، ولعل ما أسس إلى ذلك ابتداء، هو رفع الغطاء العربي عن القضية، وجعلها من اختصاص أهلها الفلسطينيين، التي كانت تمثلهم منظمة التحرير الفلسطينية، كأخطر مهمة تاريخية توكل إليهم؟ فهل بقيت منظمة التحرير الفلسطينية، بموجب مقررات مؤتمر الجزائر للمقاومة، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وأين صوت هذا المنظمة، بوجود انقسامات على الساحة الفلسطينية، راحت تشكل كوابح مسننة لحركة تحرير الأرض الفلسطينية من ربقة الاحتلال الإسرائيلي.

دأبت (إسرائيل) تنظر إلى القضية الفلسطينية من زاوية واحدة، هي أنها قضية صراع بين الفلسطينيين والدولة الإسرائيلية. بالعبرية: (הסכסוך הישראלי-פלסטיני) بالعربية: (الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي). هذا ما عملت عليه دولة العدوان الإسرائيلية طيلة أربعين عاما، حتى رفع العرب أيديهم عن القضية، وراح معظمهم من وراء الستار، وعبر السلطات الرسمية يتعاملون مع القضية، على أنها قضية ثنائية تخص مستضعفين من قومهم، و(إسرائيل)، وأثبتوا أنهم لا يسعهم سوى تقديم العون المادي لهم، وفتح مشافيهم وأرضهم للاستشفاء والحج والعمرة؟! هنالك استثناءان يجب الإشارة إليهما:

الأول: هو حرب 1973م بكل تداعياتها، وأهمها كان الإثبات أن العرب يستطيعون القتال والانتصار، إذا ما صدقت النوايا، وتنحي حماة (إسرائيل) جانبا.

الثاني: بقاء نواة نهج المقاومة على قيد الحياة، برغم زلزال (الربيع الأحمر العربي) الذي أفرز الغث عن الثمين بخصوص النظر إلى حقيقة الصراع مع العدو الإسرائيلي، بين ملتحق بالرؤية الإسرائيلية للحل، ورؤية حلف المقاومة لهذا الحل!

بداية المرحلة الأهم من مراحل المقاومة الفلسطينية

يعد حادث مقتل جنديين إسرائيليين في باحة المسجد الأقصى بتاريخ الرابع عشر من هذا الشهر، على أيد مقاومين فلسطينيين جبارين شرفاء وشجعان، واستشهاد ثلاثة منهم، خطوة عظيمة من حيث اعتبارها:

تأسيسية لمرحلة جديدة من مراحل المقاومة، التي كانت على العموم تتموج علوا وهبوطا في نفوس المقاومين، تبعا للظروف، وعلى الأخص، تلك التي تمر بها الآن الأمتان العربية والإسلامية. هي باعتقادي مرحلة إحياء، كما يسقي الفلاح زرعا يكاد يموت في أرضه، كان نداء النفير لأجل المسجد الأقصى والقدس، وفي الأصل لأجل عموم أرض فلسطين، هذا هو الري العظيم، فهل سنخشى، كما عودنا التاريخ، من أن تسد مجرى فيضه تحركات وأد وإسكات يقوم بها من العرب أحفاد من أسهموا في وأد الثورات الفلسطينية، وعلى رأسها ثورة 1936م، لأجل عيون بريطانيا العظمى في حينه، اعترافا بفضلها على من نادى بوقفها من العرب؟! فبفضل من سيعترف هؤلاء الأحفاد الآن على حساب عدالة القضية الفلسطينية؟

ثبت أن (إسرائيل) بكل جبروتها لم تقدر على خنق صوت المقاومة الفلسطينية، ليأتي من وضع ويضع من العرب، يده بيد الإسرائيلي لمواجهة “إيران” كعدو مشترك، متجاهلين أنه حقيقي في مواجهة الإسرائيلي، وعدو وهمي على الجانب العربي؟! “إيران”: هذا العدو المشترك الذي لم يعاد يوما، بعد أن أسقط الشاه “محمد رضا بهلوي”، حليف أميركا و(إسرائيل) سوى أميركا (إسرائيل)، وأدواتهما في المنطقة.

إعلان النفير:

حركتا “حماس″ و” الجهاد الإسلامي” أعلنتا النفير العام، كمنحى مقاوم واستقطابي، للدفاع عن المسجد الأقصى، ومن خلاله الدفاع عن فلسطين، وبرأيي كان ذلك بعد دراسة دقيقة لصيغة هذا الإعلان:

قبل الاستجابة الإيمانية لهذا النداء، علينا أن نضع معنى كلمة “نفر” في سياقها الشرعي فنقول: يوجد في القرآن الكريم ألفاظ محددة هي (الجهاد) و(القتال) و(الحرب)و(النفر)، ونلاحظ هنا أن النفير من (النفر) بدلالاته بحسب السياقات القرآنية يأتي في المرتبة الرابعة من ألفاظ حث المسلمين على حماية دينهم وأنفسهم، لكنه من حيث الأهمية العملانية ذات الصلة بتنبيه الفرد المسلم على الالتحاق بصفوف المستنفرين، لا يحتاج إلا إلى نقلة واحدة لإعلان الجهاد ، ربما كان هذا(وتطويقا لبعض تداعيات الواقع السياسي) لأجل تمهيد الطريق نحو وقفة واحدة لإعلانه، وقفة تحتاج إلى تماسك لصيق بين من يدرك المعنى السامي للجهاد من القادة، فيحث عليه، وبين من يكون ملبيا من المتلقين أصحاب الأرض، ومعهم المؤمنون بعدالة القضية الفلسطينية، التي كان يشار إليها مذ كانت، على أنها قضية صراع عربي إسرائيلي، لا قضية صراع حصري بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما نجحت(إسرائيل) في جعلها كذلك حتى الآن، وإلى حد كبير؟!

حاول الغرب من أعداء العرب، جهده، لمنع قيام جبهة عربية واحدة على أسس قومية ضد العدوان الإسرائيلي، وقد نجح هنا وهناك، عندما كان سندا، وحاضنا، على الدوام للعدو الإسرائيلي، وانعكس ذلك بشكل سلبي على النهج القومي لأسباب داخلية بين صفوف العرب، تتعلق باختلاف هوية الأنظمة السياسية، وخارجيا من خلال التحالفات والتحالفات المضادة على جانبي القوتين الأعظمين في العالم، أميركا، والاتحاد السوفييتي السابق” روسيا الاتحادية الآن” فتتقطع أوصال العرب، ويذوي وهج  تفاعل قيام أول وحدة عربية في عام 1958م بين دولتي سورية ومصر، بعد تقسيم الاستعمار للبلاد العربية الواحدة إلى دول، جعلها تحمل في (جينات) تشكيلها عوامل عدم لم شملها من جديد ؟! حتى ترسخ مع الزمن الإحساس بمظلومية الشعب الفلسطيني في الوجدان الإسلامي، كوجه آخر لأوجه الصراع مع العدو، فكانت ترجمة ذلك انتفاضات فلسطينية عظيمة منذ بداية عام 2000م.أمام استشعار خطر تلك الانتفاضات على وجود (إسرائيل)، عمد الغرب إلى إعداد دراسات معمقة وخطط تنفيذية، لمواجهة هذا التفاعل الشعبي الإيجابي كيلا يكون ذلك سمة الصراع المستقبلي على طريق تحرير فلسطين، والذي كان من باكورة ثماره في حينه، مغادرة كثير من اليهود الصهاينة الأرض المحتلة خوفا على أمنهم، إلى البلاد التي جاؤوا منها، إبان تلك الانتفاضات العظيمة.

دور الربيع الأحمر العربي

كان ذلك العمل الحثيث الداعي إلى إبراز عوامل صراعية، ذات صلة بالموروث الثقافي داخل الجسم الإسلامي، هو ما عمد إليه الغرب بالتنسيق مع (إسرائيل) وبعض العرب الإسلاميين، بغية تفريغ الشحنات الإيمانية عالية المستوى، وتحميل جهد بديل، تبلور على أيدي (إسلاميين) رفعوا منذ بداية الربيع المشؤوم، لواء الجهاد في وجه نظرائهم من ذوي المذاهب المختلفة، والأنظمة السياسية العربية التي لديها مقومات النهوض والقوة، وفي وجه الأقليات التي تمتد جذورها  الإنسانية في أعماق تاريخ المنطقة العربية، لا في وجه(إسرائيل) بيت الداء؟! فكان ذلك (الجهاد) المزور، من حيث أنه في غير موضعه، أقله لعيب فيه تأتى من عدم الإجماع على صحته من قبل عموم المجتهدين المسلمين، ليثبت من خلال نتائجه التدميرية في البلدان العربية، أنه يخالف ما يدعو إليه الإسلام، وهو تجنب حالات القتل الذي يعني قتل الناس جميعا.؟! ما اعتبره هؤلاء الذين أدرجوا على لوائح الإرهاب الدولية، (جهادا)، بينما كان ارتباطهم واضحا بالأمزجة السياسية لعديد من الدول العربية والإسلامية والغربية، التي طالما سعت إلى تحقيق مصالحها ترغيبا وترهيبا في المنطقة العربية. لتكون دولة العدوان (إٍسرائيل)، المستفيد الأول من ذلك الربيع، من باب أنها كان يجب أن تكون هدفه الأول، فيما لو طبقت قواعد(الثورة) برفقة تطبيق قواعد(الجهاد) على الظلم التي أخذها على عاتقه حِراك الربيع الأحمر إياه؟!

الآن:

تمت الدعوة العلنية إلى النفير على طريق الجهاد، ومن قبل أصحاب الأرض الفلسطينيين، الذين بقوا مرابطين في الميدان، وهم في جلهم معزولون ماديا، محاصرون في جوعهم وفي عطشهم، وفي مرضهم، ولكن التاريخ يعلمنا أن حصار الروح الخلاقة التي تستشعر الظلم، ولا تموت إلا في سبيل دفعه، غير ممكن، وها هي الثقافة الإسلامية عموما تقدم البديل الذي سعت إليه الثقافة العربية بشكل مختلف: البديل الذي هو قتال العدو دفعا للظلم، الظلم الذي تأذن في قتال أصحابه وأدواته جميع الشرائع السماوية والوضعية، إذ لا عذر أمام مقصر، على الجميع تلقف الدعوة….ولكن أي جميع؟

نحن هنا نستبعد الأنظمة السياسية العربية والإسلامية، لأنها باتت رهينة المصالح الشخصية والمصالح الغربية، إلا من آلى على نفسه من حلف المقاومة أن يسلك طريق الجهاد دون أن يتنطح (مراءاة) إلى إعلانه. كما نستبعد هؤلاء الذين أخذوا على عاتقهم إحياء الخلافة الإسلامية فكان الإرهاب المرفوض طريقهم إليها فسقطت في “الموصل” العراقية، وها هي في طريقها إلى السقوط السريع في البادية السورية على ضفتيها “الجزيرة” و”الشامية” بفضل الجهد الرئيس للمقاومين في سورية والعراق.

يبقى الأهل في فلسطين:

نعم عليكم يقع عبء البعث المتجدد للروح المجاهدة، وأوان ذلك الآن، بعد انكشاف عورات من تاجر بقضيتكم، وجعل منها سلعة تباع وتُشرى في سوق المصالح الدولية، وحاصرها حتى باتت قضية (إسرائيلية) خاصة تعالجها (إسرائيل) بطريقتها معالجة الظالم االمستقوي بحماته واستبداده، على المظلوم المستضعف بين قومه في بلاده.

في هذا اليوم يوم جمعة الصلاة (الكبرى) في المسجد الأقصى تلبية لنداء المقاومين المجاهدين على تخوم المعراج إلى السماء، لا بد أن تكون دعوات هؤلاء أقرب ما تكون إلى أبواب السماء.

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2017/07/22

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد