تطبيق صحيفة خبير

آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. عبد الحي زلوم
عن الكاتب :
مستشار بارز لشؤون البترول منذ أكثر من 45 سنة. أنهى دراسته الجامعية الاولى والعليا في الهندسة والادارة من جامعات تكساس، لويزيانا، كاليفورنيا، و هارفرد في الولايات المتحدة بعد انهاء دراسته الثانوية في القدس. عمل في الولايات المتحدة واوروبا. كما ساهم في الاعمال التأسيسية للعديد من شركات البترول الوطنية العربية في الخليج والعراق وافريقيا،

بمناسبة ذكرى النكبة الــ 68: هل سقوط المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين هو حلم أم علم؟

 

د.عبد الحي زلوم ..

بعد ستين عامٍ من تأسيس إسرائيل وامتلاكها مئات القنابل الذرية والهيدروجينية والصواريخ والأقمار الصناعية ، بل وامتلاكها القرار السياسي لأقوى دولة في العالم تساءلت كبريات المجلات الأمريكية على غلافها (التايم 19/01/2009) “هل تستطيع إسرائيل استمرارية العيش؟”

 

وفي July 5/2010 – كتبت مجلة  Foreign Policy  مقالاً بعنوان Israel: A failing Colonial Project إسرائيل: مشروع استيطاني فاشل   . يصل المقال بطريقة تحليل علمية أن مشروع الدولة اليهودية الاستيطاني في فلسطين – هو مشروع فاشل وغير قابل للديمومة. وبيّن المقال أنه بالرغم من نجاحات إسرائيل العسكرية والسياسية فلن يُكتب لها البقاء بشكلها الحالي كمشروع استيطاني استعماري. وعليها أن تختار إما البقاء في حرب دائمة أو أن تصبح دولة لكل المواطنين . ولقد رأينا أن القيادة الصهيونية  قد أفرزت حكومات تزداد عنصرية وتطرفا مع الأيام كلما جاءت واحدة لعنت أختها.

 

يقول المقال : على أي دولة استيطان لتضمن بقاءها الوفاء بثلاث تحديات. يجب أن تحل مشكلة المواطنين الأصليين، والانعتاق عن موطنها الأصلي، وان تحظى بقبول الدول والشعوب المجاورة. ومن الواضح أن إسرائيل لم تستوفِ أي من هذه الشروط.

 

فلنأخذ الشرط الأول ومشكلتها مع الفلسطينيين التي بُنيت الدولة على أنقاضهم. ظنت إسرائيل أنها حلت مشكلة السكان الأصليين مرّة  وإلى الأبد حيث أنه  بشهور قبل وبعد ولادة الدولة سنة 1948 كانت قد طردت 80% من سكان فلسطين الأصليين في المناطق التي استولت عليها. وبالمقابل وبتدفق المهاجرين اليهود من الأقطار العربية أصبح الفلسطينيون لا يشكلون سوى 10% من السكان . ولكن بالرغم من استمرار تدفق الهجرة اليهودية إلا أن الفلسطينيين قد أصبحوا يشكلون 20% من السكان وأصبح الشعور بأن العرب من الداخل أصبحوا يشكلون خطرا على أمن الدولة. وبدأ البعض يطالب بعملية تطهير عرقي جديد أو إعادة ترسيم الحدود لتصبح الكثافة العربية خصوصاً في منطقة المثلث خارج حدود الدولة كذلك لم يتبخر الفلسطينيون  الذين هاجروا سنة 1948 حيث سكن غالبيتهم في مخيمات قريبة من الحدود في الضفة الغربية وغزة وجنوب لبنان والأردن – وعندما احتلت إسرائيل غزة والضفة الغربية أصبح هؤلاء اللاجئين مرّة أخرى ضمن حدود الدولة التي تسعى إسرائيل للحفاظ عليها من البحر إلى النهر. وبذلك أصبح الفلسطينيون اليوم يساووا أو يزيدوا  عن عدد اليهود في فلسطين التاريخية. وهكذا أعادت إسرائيل مشكلة الديموغرافية إلى المربع الأول . وهي تبتعد أكثر فأكثر عن الوفاء بهذا الشرط اللازم لبقائها. لذلك فهي تلجأ إلى أعمال قاسية في الأراضي المحتلة ضد الفلسطينيين.

 

أصبح واضحاً لكثيرين أن إسرائيل هي دولة فصل عنصري وليست دولة ديمقراطية حتى أن نائب رئيس الأركان الإسرائيلي غولان قد صرح بأن إسرائيل وممارساتها بدأت تشابه النازية مما آثار ضجة كبيرة ضده. كما أن الغرب ونتيجة لمثل هذه الممارسات بدأت شعوبه ببطء ولكن بثبات بتأييد الحملة المطالبة بتقليص الاستثمار والمقاطعة بل وفرض العقوبات على إسرائيل ( حركة BDS).

 

والشرط الثاني لديمومة المشروع الاستيطاني هو قطع العلاقة مع البلد الأم ، لكن الكيان الصهيوني هو كيانٌ لقيط وليس له أم شرعية . لكن الصهيونية استخدمت بريطانياً كأمها الشرعية حتى بدأت الحرب العالمية الثانية . ثمّ بدأت بالانتقال التدريجي إلى أمهاتٍ آخرين ومنهم الاتحاد السوفييتي السابق ، وابتداءً من نهاية خمسينات القرن العشرين أصبحت الولايات المتحدة الأم غير الشرعي للمشروع الصهيوني  الاستيطاني فأغرقت عليه المعونات وسلحته بأحدث الأسلحة بل وسمحت له بتطوير سلاح نووي وأعطته الحماية من الشرعية الدولية والقانون الدولي . وهكذا أصبحت إسرائيل القوة المهيمنة في الشرق الأوسط وقوة فوق القانون. لكنها لليوم ما زالت دولة غير كاملة الأركان ولا  الشرعية ولن تستطيع العيش دون الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة وهو أمرٌ مشكوكٌ فيه. فالولايات المتحدة بدأت بتقليص اهتمامها بالشرق الأوسط نحو الاهتمام في أمريكا الجنوبية وشرق آسيا. إلا أن هذا الاعتماد لا يمكن استمراره إلى الأبد فمصدر القوة هو اللوبي الصهيوني والذي بدأ الأمريكيون يضجون من طغيانه. فأثنين من أشهر الأساتذة في جامعتي هارفارد وشيكاغو كتبا كتابهما  المشهور عن اللوبي وأظهرا بشكل واضح بان دعم إسرائيل المالي والسياسي والعسكري لا يخدم مصالح الولايات المتحدة وبدأت الأصوات تتعالى مشيرة إلى تناقض مصالح الولايات المتحدة والكيان الصهيوني الاستعماري في فلسطين.

 

وفي مقال كتبه الدكتور بول كريغ روبرتس في 13 آيار 2016 (وهو نائب وزير مالية في عهد الرئيس ريغن) جاء فيه: “لا يوجد أي شك أن فلسطين قد سٌرِقت من أصحابها : وهم اليوم يحاصرون في كانتونات كما فعلت الولايات المتحدة مع الهنود الحمر. والحقيقة المرّة أن أي شخص يذكر هذه الحقيقة يتهمه اللوبي الإسرائيلي باللاسامية. لقد اتهمتُ باللاسامية حينما صرحت أن معاملة إسرائيل للفلسطينيين اللاإنسانية هي كمعاملة الجيش الأمريكي لمواطني أمريكا الأصليين ( الهنود الحمر). في الحقيقة أن اتهام أي شخص باللاسامية من اللوبي الإسرائيلي هو شهادة له بأنه شخص ذا مستوى أخلاقي رفيع .)

 

مثل هذه الأصوات بدأت ترتفع خصوصاً في الجامعات الأمريكية وبدأت حركات مناهضة للاحتلال مثلBDS- وكذلك أخرى من اليهود أنفسهم الذين بدؤوا يستشعرون الخطر على مستقبلهم نتيجة ممارسات إسرائيل العنصرية .

 

أما العنصر الثالث لديمومة أي كيان استيطاني فهي قبول دول الجوار بشرعية الكيان . وفي حالتنا الفلسطينية – فإن نجاحات إسرائيل في عقد سلام مع بعض دول الجوار هي نجاحات وهمية وبلا شرعية فهي بين أنظمة تحاول الحفاظ على نفسها لأنها لا تتمتع بشرعية مستمدة من شعوبها ، وستسقط هذه الاتفاقيات حال سقوط تلك الأنظمة كما قال الكاتب .

 

وفي نفس الوقت الذي كانت نخبة من كبار المؤرخين الإسرائيليين تعقد ندوة خاصة بتاريخ 24/10/2013 في قاعة تاسفتا TASVTA     في تل أبيب عنوانها ” هل ستبقى إسرائيل موجودة بعد 90 سنة”؟ فاوض من لا يملك تفويضاً من شعبه في مفاوضات عبثية لمدة عشرين سنة لإعطاء شرعية لمن لا يستحق.

 

كتب إيهود سبرينزاك، الأستاذ في الجامعة العبرية يقول:

” لم تحقق الدولة اليهودية استقلالها عام1948 ، بصورة طبيعية كنتيجة حتمية لمرحلة من الكفاح ضد الاستعمار البريطاني في فلسطين. بل كانت ولا تزال إحدى أكثر الدول “غير الطبيعية” في تاريخ الدول حديثة العهد، والتي ظهر معظمها على خارطة العالم إبان الحقبة الاستعمارية”

 

وأضاف:” لم تكن إسرائيل ما بعد 1948 بتلك الدولة الديمقراطية المثالية،.. فقد بقيت الأقلية العربية، التي حصلت لاحقاً على حق التصويت وانتخاب ممثليها في الكنيست، ولسنوات طويلة خاضعة للحكم العسكري الصارم…”

 

لو وافقنا على استنتاج أستاذ الجامعة العبرية هذا بأن إسرائيل هي مولود غير طبيعي؛ فالمرء يمكن أن يستنتج أن مثل هذه المخلوقات نتيجتها هي الموت غير الطبيعي!!

 

قال الجنرال موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق في أحد الأيام “يجب أن تكون إسرائيل كالكلب المسعور، خطرة إلى درجة لا يستطيع أحد مضايقتها”. ما الذي ينبغي على الناس أن يفعلوا بالكلاب المسعورة يا ترى؟  بالرغم من أن هذا الكلب المسعور قد خاض حروباً عديدةً منذ 1967 إلا أنه لم يحقق انتصاراً في أي منها !

 

حسب إحصائية “المراقب الفلسطيني Palestine Monitor ” دمر الكلب المسعور 3500 منزل فلسطيني تدميراً تاماً ، 2800 منزل أصيبو بأضرار كبيرة وأكثر من 16000 منزل بأضرار بسيطة ، هذه المنازل كانت مسكناً لأكثر من325000 مدني فلسطيني ، الأسلحة التي استخدمتها إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين كانت ضمن الأقوى والأخطر التي تمتلكها الدولة الصهيونية ، طائرات الـF15   والـ F16 ، والاباتشى ، والطائرات دون طيار ، الدبابات الميركافا ، والزوارق البحرية ، القذائف والصواريخ ، هذه الأسلحة احتوت أيضاً على أسلحة محرم دولياً :” الفسفور الأبيض ، ذخائر تحتوي على DTME بالإضافة إلى قذائف الفلتشيت “Flechette” والتي تنثر آلاف الأسهم المعدنية لمئات الأمتار ممزقة كل شي في طريقها .”

 

صديقي الدكتور منار الفرا أهداني كتاب أخيه السيد مشير الفرا والذي وثّقَ وحوّلَ أرقام الضحايا إلى حالات إنسانية للمعاناة التي نتجت عن العدوان على غزة في كتابه ” غزة موعد مع البركان “. وهذه إحدى الحالات الإنسانية التي وثقها الكتاب :

 

“لم يكتف الجيش الإسرائيلي بارتكاب هذه الفظائع بل أضاف إليها إعدام العديد من المدنيين بدم بارد كما هو الحال مع بنات عبد ربه وجدتهن ، تذكر والدهن خالد عبد ربه مقتلهن وعيونه تملؤها الدموع : كنا داخل منزلنا عندما اتخذت الدبابات الإسرائيلية موقعا بالقرب منّا في اليوم الرابع للحرب البرية .. نادى عليّ جنود الاحتلال بمكبرات الصوت للخروج فخرجت من المنزل مع والدتي البالغة من العمر 62 عاماً ، وخرجت زوجتي وبناتي الثلاث ، كنا جميعاً نرفع قطعاً بيضاء من القماش ، مشينا عدة خطوات ، امرنا جنديان ان نتوقف ، بعدها بلحظات خرج جندي ثالث من الدبابة وبدأ في إطلاق النار من رشاشه باتجاه بناتي .. حملت بناتي ووالدتي الجريمة داخل المنزل،  واتصل أخي لإحضار عربة إسعاف ، وسمعنا صوت الإسعاف يقترب ، ولكن فجاة اختفى الصوت ، نظرت من الشباك فرأيت الجنود يضربون طاقم الإسعاف وبعدها دمرت عربة الإسعاف . في هذا الوقت كانت ابنتاي( أمل) ذات العامين و ( سعاد) ذات السبعة أعوام قد فارقتا الحياة ” .

 

 رغم تكرار سيناريوهات الهجمات الدموية التي شنتها إسرائيل على القطاع في حربي 2008/2009  (عملية “الرصاص المصبوب”) و 2012 ( عملية ” أعمدة السحاب،   جاء حجم الهجمات الإسرائيلية وعنفها صادماً لكل التوقعات. فخلال الثمانية وأربعين ساعة الأولى للحرب ، بحسب بيانات داخلية غزة ، شنت إسرائيل ما يقرب الــ500 غارة استهدفت 322 هدفاً منها مقار جهاز الأمن والحماية وجهاز الأمن الداخلي وشملت البنى التحتية وشبكات الصرف الصحي والكهرباء والاتصالات ، بينما تمكنت صواريخ المقاومة الفلسطينية من الوصول إلى مطار بن غوريون في تل أبيب بصاروخ ( فجر 5) أطلقته سرايا القدس الجناح العسكري للجهاد الإسلامي ، وفي وقت لاحق أعلنت كتائب القسام عن قصفها لمدينة حيفا شمال فلسطين ولأول مرة بصاروخ “ر60″

 

العدوان الإسرائيلي نتج عنه مقتل المئات من المدنيين ، نساء ، أطفال ، ورجال بلغت نسبتهم ما يقرب من ثلثي الضحايا الذين بلغ عددهم 2174 حسب تقرير المرصد الاورومتوسطي لحقوق الإنسان بينما بلغ عدد الجرحى 10870 بينهم 3303 طفل ثلثهم سيعانون إعاقات دائمة

اللاجئون سنة 1948 والذين تم طردهم بتطهير عرقي في تلك السنة والذين ذهبوا لمخيمات لا تقي حر ولا برد  استطاعوا أن يكونوا مقاومة وقفت أمام كل أسلحة إسرائيل أكثر من50 يوم في الوقت الذي لم تصمد به جيوش 3 دول عربية سنة 1967 أكثر من 6 ساعات وليس 6 أيام كما يدعي البعض . شعب كهذا لن يموت ولكن ذلك الكلب المسعور الذي لا يمتلك عناصر البقاء هو إلى زوال .

 

       مستشار ومؤلف وباحث

 

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2016/05/16

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد